كلمة حق

مرفأ الكلمات
عثمان عولي
كلمة حق ووفاء وامتنان… المستشارية الفنية بالقاهرة
في لحظةٍ استثنائية من تاريخ السودان، حيث تتقاطع المعاناة مع الأمل، وتشتد العواصف في الوطن بينما تتشكل ملامح الصمود خارجه، كانت القاهرة شاهدة على واحدة من أنبل معارك الإرادة: معركة التعليم.
مع انطلاق امتحانات الشهادة السودانية في مصر، وسط موجات النزوح القسري بسبب الحرب، لم يكن المشهد عادياً، بل كان اختباراً حقيقياً لقدرة الدولة وأبنائها على حماية مستقبل جيل كامل. كنت شاهداً على هذه التفاصيل، وعلى ما سبقها من عزيمة رجال آمنوا بأن التعليم ليس رفاهية، بل خط الدفاع الأول عن بقاء الوطن.
أستعيد هنا لقاءً جمعني بالوزير الراحل الحوري – رحمه الله – في القاهرة، بفندق سفير. كان الرجل مشغولاً بهمّ الطلاب، متقد الحماسة، واضح الرؤية، مؤمناً بأن قيام الامتحانات ضرورة وطنية لا تحتمل التأجيل. تحدث بثقة عن أهمية استمرار العملية التعليمية، باعتبارها الركيزة الأولى لإعادة البناء والانتصار في معركة الكرامة. رحل الرجل وهو في ذروة عطائه، وبقيت كلماته شاهدة على صدق نواياه وصلابة موقفه.
ثم جاءت اللحظة الفارقة… حين وقف سعادة السفير الفريق أول عماد الدين مصطفى عدوي، قبل أعوام، في مدرسة الأورمان، يردد النشيد الوطني إيذاناً بانطلاق الامتحانات. يومها، لم نتمالك دموعنا. لم يكن البكاء ضعفاً، بل كان فيضاً من الفخر والانتماء، وشعوراً بأن السودان، رغم الجراح، ما زال قادراً على الوقوف.
هذه المعركة لم تُخض في العلن فقط، بل كان خلفها رجال يعملون في صمت، يضعون أيديهم في النار من أجل أن تخرج الامتحانات إلى بر الأمان. وهنا، يصبح من الواجب أن نرفع القبعات إجلالاً لشركاء النجاح.
إلى البعثة الفنية والمستشارية الأمنية، إلى العميد قريب الله، والعقيد حسن حجاج، ومن سبقهم العقيد محمد فتح الرحمن، وإلى الإداريين ياسر أبكر، علاء الدين يوسف، معتز، وبقية العقد الفريد… لقد كنتم في قلب المعركة، تخططون وتديرون وتتابعون، باحترافية عالية وروح وطنية خالصة، رغم التحديات الجسام.
وإلى طاقم السفارة السودانية بالقاهرة، قيادةً وأفراداً، كل التقدير على الإشراف المباشر، وتذليل العقبات، وتهيئة بيئة آمنة ومستقرة لأبنائنا الطلاب. لقد أثبتم أن الدبلوماسية ليست عملاً بروتوكولياً فحسب، بل مسؤولية إنسانية ووطنية في المقام الأول.
رجال التأمين… أنتم جنود الظل الذين أنجزوا المهمة بثقة واقتدار، وفق خطط دقيقة، وبوعي عالٍ في التعامل مع الطلاب. كان لتنسيقكم مع الجهات المصرية أثر بالغ في نجاح هذه التجربة. لقد كنتم بحق على قدر التحدي.
أما المعلمون، فأنتم حراس الوعي. لم تنحنِ هاماتكم أمام العواصف، بل واصلتم رسالتكم بإيمان عميق بأن بناء الإنسان هو أعظم أشكال المقاومة.
وإلى الأسر، التي صبرت وثابرت، وتحملت أعباء النزوح والقلق، وظلت سنداً حقيقياً لأبنائها… أنتم شركاء أصيلون في هذا النجاح.
وأخيراً، إلى الطلاب… جيل التحدي. أنتم عنوان هذه القصة، وسبب كل هذا الجهد. لقد أثبتم أن الإرادة أقوى من الظروف، وأن الحلم يمكن أن ينجو حتى في أصعب اللحظات. ما تحقق ليس مجرد امتحانات، بل درس في الصبر والصمود.
انتهت الامتحانات… لكن الحكاية لم تنتهِ. ستُروى هذه التجربة يوماً كواحدة من قصص الانتصار التي صنعها السودانيون بالإصرار والعلم، حين قرروا أن المستقبل لا يُؤجل، وأن الوطن يُبنى من قاعات الدراسة كما يُحمى في ميادين القتال.
كل الأمنيات بالتوفيق والسداد لأبنائنا الطلاب… وللسودان، أن ينهض من جديد.




