اخبار العالممقالات

اللواء صلاح المعداوي يكتب: تقييم عسكري إستقصائي للحرب الأمريكية الإسرائيلية- الإيرانية

تقييم عسكري إستقصائي..

للحرب الأمريكية الإسرائيلية – الإيرانية

بقلم: اللواء أركان حرب صلاح المعداوي محافظ الدقهلية الأسبق

 

بعد فشل محاولات إسقاط النظام الإيراني وعدم استسلام طهران، أرى أن وقف إطلاق النار المؤقت لم يأتِ نتيجة ضعف إيراني فقط، بل بسبب أربعة عوامل عسكرية رئيسية مترابطة أجبرت التحالف الأمريكي-الإسرائيلي على التراجع المؤقت. هذه العوامل ليست نظرية، بل مستمدة من تحليل العمليات الميدانية الأخيرة (خاصة العشرة أيام قبل وقف النار)، حيث أظهرت الصواريخ الإيرانية قدرات جديدة غيرت قواعد المعركة ..

ونتناول ذلك كالآتى:

أولاً … الأسباب العسكرية الرئيسية لوقف إطلاق النار

السبب الأول :

الخسائر الإسرائيلية الكبيرة نتيجة الصواريخ الإنشطارية العنقودية
في المراحل الأخيرة من القتال، أطلقت إيران أعداداً متزايدة من صواريخ باليستية متوسطة المدى (مثل خرمشهر-4 ونسخ مطورة من عماد وغدر) مزودة برؤوس عنقودية. هذه الصواريخ تنفجر في الهواء على ارتفاع 7-10 كم، فتطلق 16-32 قنبلة فرعية (كل واحدة تحمل 2-5 كجم متفجرات)، مما يحول صاروخاً واحداً إلى عشرات الأهداف المتفرقة.

أكدت التقارير العسكرية الميدانية أن نحو 50% من الصواريخ الإيرانية في هذه المرحلة كانت عنقودية، مما أدى إلى تشبع أنظمة الدفاع الجوى الإسرائيلية (القبة الحديدية، أرو، ديفيدز سلينج). حتى لو تم اعتراض الصاروخ الأم، فإن القنابل الفرعية تسقط بسرعات ومسارات مختلفة، ولا يتوفر وقت كافٍ لتدميرها جميعاً. النتيجة: دمار واسع في مناطق مركزية (تل أبيب، رمات غان، بيتاح تيكفا، روش هعاين)، مع خسائر بشرية واقتصادية ونفسية تجاوزت قدرة إسرائيل على التحمل الطويل.

السبب الثاني :

فشل الإستطلاع والإعتراض في مواجهة «مدن الصواريخ» الإيرانية
عجزت أجهزة الإستطلاع الأمريكية-الإسرائيلية (بما فيها RQ-4 Global Hawk والأقمار الصناعية) عن تحديد مواقع تخزين وإطلاق هذه الصواريخ بدقة كافية. السبب: «مدن الصواريخ» (Missile Cities) الإيرانية، وهي شبكات أنفاق جبلية ضخمة محفورة على عمق يصل إلى 500 متر داخل الجبال (مثل قاعدة يزد في وسط إيران).

تحتوي هذه المدن على أنظمة نقل سكك حديدية آلية، مخارج متعددة، وأبواب مقاومة للانفجار، محمية بطبقات صخرية وخرسانية. رغم الضربات المتكررة على المداخل (حوالي 77% منها حسب التقديرات)، فإن الطبيعة المتشعبة والموزعة جعلت تدمير القدرة الإيرانية على الإطلاق شبه مستحيل. هذا الفشل الإستخباراتي والفني أجبر التحالف على قبول وقف مؤقت، لأن استمرار الإطلاق كان يهدد بإستنزاف مخزون الإعتراضات وتآكل القدرة الدفاعية.

السبب الثالث :

الإستعداد للتدخل البري مع استيعاب الرفض الداخلي والدولي، ومع تصاعد الرفض الشعبي داخل أمريكا وإسرائيل، استغل التحالف وقف النار لإعادة ترتيب الأولويات.

وكان الهدف هو وضع خطة محكمة لتدخل بري يستفيد من الحصار البحري الأمريكي للموانئ الإيرانية ومضيق هرمز، يمكن أن يتم هذا التدخل عبر الجزر والموانئ البحرية أو الحدود البرية، مع التركيز على الجمع بين العمليات البحرية والبرية.

هذا يتطلب حل مشكلة الصواريخ الإنشطارية أولاً، حتى لا يتعرض التقدم البري لضربات مدمرة من الخلف. ولكن التوقف المؤقت إذن ليس سلاماً، بل فرصة للتحضير.

السبب الرابع :

التحذيرات غير المعلنة من الصين (وروسيا)
هناك مؤشرات قوية على تحذير صيني (وربما روسي) غير معلن، يربط التدخل العسكري المباشر بدعم إيران بوقف التهديد الأمريكي لمصادر الطاقة الإيرانية والبنية التحتية. والصين، كأكبر مستورد للنفط الإيراني، ترى في أي تدمير لمضيق هرمز أو المنشآت النفطية تهديداً مباشراً لمصالحها الإستراتيجية.

هذا الضغط غير المرئي ساهم في دفع التحالف نحو وقف النار لتجنب تصعيد يخرج عن السيطرة.

ثانياً … تحليل الوضع الحالي – وقف الحرب والمفاوضات: خداع تكتيكي أم إعداد لخيانة استراتيجية ؟ :

أعتقد أن وقف إطلاق النار الحالي والمفاوضات الجارية ليست سوى مرحلة من الخداع التكتيكي الأمريكي-الإسرائيلي، تهدف إلى تحقيق خداع استراتيجي أكبر ضد إيران وحزب الله، وهذا الخداع يعتمد على أربعة شروط عسكرية يمكن أن تؤدي إلى انتهاك وقف النار أثناء المفاوضات:

١- تمكن الخبراء الأمريكيين والإسرائيليين من تطوير وسيلة فعالة للاعتراض قبل انفجار الرؤوس العنقودية (مثل تحسين أرو-3 أو أسلحة ليزرية موجهة للتعامل مع الرؤوس قبل التشتت).

٢- كشف أسرار ” مدن الصواريخ» عبر الإستطلاع الجوي والإلكتروني والعملاء، بما في ذلك شبكات الأنفاق المتصلة على عمق 500 متر.

٣- إعداد خطة برية محكمة تجمع بين التدخل البحري (في ظل الحصار الحالي) والبري، للسيطرة على مضيق هرمز والوصول إلى منشآت اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، بأقل خسائر ممكنة عبر قوات خاصة ودعم جوي مكثف.

٤- نجاح التصعيد النفسي والإعلامي في إثارة اضطراب داخلي يمهد لتدخل أمريكي مباشر.

إذا تحققت هذه الشروط خلال المفاوضات خاصة الأول والثانى ، فإن «الخيانة الدبلوماسية الثالثة» ستكون واقعاً عسكرياً.

ثالثاً … خلاصة الوضع العسكرى الحالى:

كل ما يحدث الآن من مفاوضات ووقف إطلاق نار مؤقت ليس إلا ستاراً للخداع التكتيكي السياسي الذي يمهد لخداع استراتيجي عسكري، وأن إستمرار المفاوضات نحو إتفاق سلام طويل الأمد ممكن فقط في ثلاث حالات :

١- عدم الوصول إلى حل فعال لمواجهة الصواريخ الإيرانية الإنشطارية العنقودية.

٢- فشل إعداد خطة تدخل برى ناجحة فى إيران بأقل خسائر ممكنة .

٣- وجود تهديد غير معلن من الصين (أو روسيا) يضع حداً للهيمنة الأمريكية على المصالح الاستراتيجية لها في الخليج.

وختاماً …

أرجو من الله أن يخيب ظني ، وتنجح المفاوضات في وقف الحرب بشكل دائم والوصول إلى مذكرة تفاهم أمريكية إيرانية للوضع العام فى المنطقة لتشمل أيضاً إسرائيل ولبنان.

لأن إنهيار وقف إطلاق النار المؤقت هو عودة للحرب ومن ثم أن العالم سيعاني المزيد من التداعيات الإقتصادية والعسكرية الخطيرة.

تم نسخ الرابط بنجاح!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى