قنصل السودان… قنصل الإنسانية أدمعتُ حين وداعه

مرفأ الكلمات
عثمان عولي
هناك رجالٌ لا يمكن اختزالهم في مناصب، ولا تُقاس أدوارهم بحدود الوظيفة. يمرّون في حياة الناس مرور الغيث، يتركون أثراً لا يُمحى، ويغادرون وقد تركوا في القلوب ما يعجز الوصف عن احتوائه. ومن هؤلاء كان قنصل السودان بالقاهرة، السفير إبراهيم عمر… الرجل الذي لم يكن مجرد دبلوماسي، بل كان وجهاً للإنسانية في أنقى صورها.
جئت إلى القاهرة قبل اندلاع الحرب بأسابيع، في رحلةٍ لم تُخطط لها طويلاً، لكنها كانت من أصعب القرارات التي اتخذتها في حياتي. قرار أن أترك ابنتي وحدها لتكمل دراستها، بعيداً عني، وفي بلدٍ آخر. لم يكن الأمر سهلاً، لا على قلب أبٍ ولا على فتاةٍ تخطو أولى خطوات الاستقلال. لكن الإيمان بأن المستقبل يستحق المجازفة، هو ما دفعنا للمضي.
في تلك الأيام، قادتني خطواتي إلى سفارة السودان بالقاهرة، وهناك كانت البداية. تعرّفت أولاً على المستشار الثقافي الأستاذ مرتضى علي، الرجل الهادئ الذي فتح لي الأبواب، ثم كان اللقاء الذي لا يُنسى مع السفير إبراهيم عمر. منذ اللحظة الأولى، شعرت أنني أمام إنسان مختلف؛ بساطة في التعامل، وصدق في الملامح، ودفء لا يُصطنع.
لم تمضِ سوى أيام قليلة حتى وجدت نفسي، وبكل طمأنينة، أضع ابنتي أمامه وأقول لها: هذا الرجل هو أبوك من الآن. لم تكن عبارة مجازية، بل كانت قراراً نابعاً من ثقةٍ نادرة. ابتسم يومها، بتلك البشاشة التي لا تفارقه، وكأن الأمر طبيعي أن يحمل إنسان مسؤولية إنسانٍ آخر دون تردد.
ثم جاءت الحرب… وتبدلت كل الحسابات.
تحولت القاهرة إلى ملاذٍ لآلاف السودانيين، يحملون معهم وجع الرحيل وثقل الفقد، بلا أوراق، بلا ترتيبات، فقط بأمل النجاة. وفي قلب هذا الزحام، كان إبراهيم عمر حاضراً… لا كقنصل يُدير مكتباً، بل كإنسان يداوي جراح الناس، يسعى، يتابع، يبتسم، ويُنجز.
رأيته كيف يحتمل الضغط، وكيف يستقبل الجميع بذات الروح، دون تمييز أو ملل. كان قريباً من الناس، يعرف تفاصيلهم، ويشعر بمعاناتهم. لم يكن العمل بالنسبة له إجراءً إدارياً، بل رسالة يؤديها بإخلاص نادر.
ومع مرور الأيام، لم تعد علاقتي به علاقة عابرة، بل صارت مودة حقيقية. من يجلس إليه يحبه، ومن يعرفه يقترب منه، ومن يعمل معه يدرك أنه أمام قائدٍ يعرف كيف يحتوي الناس قبل أن يديرهم.
ولعل أجمل ما فيه، تلك الروح الخفيفة التي لا تغيب حتى في أصعب اللحظات. كان يمزج الجد بروح الدعابة، يخفف عن من حوله، ويصنع من اللقاء معه مساحة إنسانية خالصة، لا تشبه جمود المكاتب الرسمية.
اليوم، وأنا أكتب هذه الكلمات، أجدني أمام أصعب مقال مرّ عليّ. ليس لأن الحروف خانتني، بل لأن الفقد أكبر من اللغة. ففكرة أن تغادر القاهرة وجهاً بهذا الحضور، إنساناً بهذا العطاء، ليست بالأمر الهيّن.
لكن عزائي، أن أمثال إبراهيم عمر لا يغيبون. هم ينتقلون فقط… تاركين خلفهم سيرةً تسبقهم، ودعاءً يرافقهم، ومحبةً لا تنقطع.
إلى من سيأتي بعده، أقول: لقد ترك لك إرثاً ثقيلاً… إرثاً من المحبة قبل العمل، ومن الإنسانية قبل المنصب.
وإلى إبراهيم عمر، أقول:
كنت كالغيم… أينما هطلت نفعْت.
وستبقى، في ذاكرة كل من عرفك، قنصل السودان… وقنصل الإنسانية.
على أمل أن نلتقي يوماً، في وطنٍ معافى، على درب الإعمار… حيث يكون للوفاء معنى، وللرجال أمثالك مكانهم الذي يليق بهم.




