مقالات

كامل إدريس… لم يشفِ عقولنا

مرفأ الكلمات
عثمان عولي

المؤتمر الصحفي الذي انعقد اليوم بمنزل السفير السوداني بالقاهرة كان من حيث الترتيب منضبطاً، ومن حيث الرسائل محسوباً بدقة. السفير قدّم اللقاء بعناية واضحة، ورسم خارطة تحركات وفد رئيس الوزراء داخل أروقة الدواوين المصرية؛ بين الري، والزراعة، والمالية، والاقتصاد، والخارجية، وجهاز الأمن والمخابرات. إشارات منظمة… وصورة دبلوماسية مكتملة الأركان.
لكن، رغم ذلك، بقي شيء ناقص.
الأسئلة التي تدور في عقل المواطن السوداني لم تجد كلها طريقها إلى الطاولة. بعضها طُرح، نعم، ولكن أهمها ظل خارج دائرة الضوء. لم نسمع إجابة شافية حول الخروج من نفق التضخم، ولا عن خطة واضحة لتوسيع الصناعة والزراعة، ولا عن رؤية محددة لخلق فرص عمل تعيد التوازن إلى مجتمع أنهكته الحرب.
العلاقات السودانية المصرية طُرحت في سياقها العام، غير أن تعقيداتها في ظل الواقع الراهن تحتاج إلى خطاب أكثر صراحة. ملف تبادل المساجين أُشير إليه، لكن ملف السودانيين الذين وصلوا إلى مصر بسبب الحرب — والذين ينتظرون معالجة واضحة لوضعهم القانوني والمعيشي — لم يأخذ المساحة التي يستحقها. وهو سؤال يمثّل مطلباً حقيقياً للجالية السودانية هنا.
في المقابل، كانت بعض المداخلات أكثر مباشرة وواقعية، خاصة ما تعلق بتطوير التعليم الفني كمدخل عملي للإعمار، وتفعيل البروتوكولات القديمة مع الدولة المصرية. مصر — كما يبدو — تنتظر من الجانب السوداني أن يتقدم برؤية واضحة، بحوجة محددة، وبخطة استراتيجية ذات أولويات مرتبة، لا شعارات عامة.
ومع تقدم القوات المسلحة في أرض العمليات، يصبح من الضروري أن يتحرك المسار الاقتصادي بالسرعة نفسها. الانتصار العسكري وحده لا يكفي إن لم يواكبه انتصار معيشي. المطلوب الآن جذب استثمارات حقيقية في الصناعة، والزراعة، والثروة الحيوانية، واستخراج الذهب والبترول، حتى نخرج من آثار الدمار الممنهج الذي أصاب البنية التحتية.
ما حدث لم يكن صدفة. كان تخريباً مدروساً. استهداف الجامعات، والمعاهد، والكهرباء، والمؤسسات العلاجية، يؤكد أن الحرب موجهة ضد المواطن قبل أي شيء آخر. لذلك فإن أكثر ما يغيظ أعداء الوطن ليس فقط تقدم القوات المسلحة، بل عودة الدولة بخطوات سريعة نحو الاستقرار.
من هنا أرى أن الطريق الأقصر لهزيمة المليشيات ليس في الميدان العسكري وحده، بل في عودة الوطن اقتصادياً. في تسريع الإعمار. في إعادة تشغيل المصانع قبل الشعارات، وفتح الحقول قبل المنابر.
الناس لا تريد خطابات مطمئنة فقط. تريد مؤشرات. أرقاماً. جدولاً زمنياً. تريد أن ترى الدولة وهي تعود.
عندها فقط… قد تُشفى عقولنا.

تم نسخ الرابط بنجاح!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى