مقالات

عندما يصير الأمر بيد الشباب… المهندس ناجي العمدة نموذجاً

مرفأ الكلمات
عثمان عولي

في لحظات التحول الكبرى، لا تبحث الأمم عن أعذار، بل تبحث عن عقول. وعندما تضيق الخيارات، يعلو صوت الشباب باعتبارهم القوة القادرة على كسر الحلقة المفرغة بين الأزمة والتكرار. هكذا يمكن قراءة ما طرحه المهندس ناجي العمدة في رؤيته المعنونة بـ استراتيجية درع النيل: إعادة التخطيط الأمني والعمراني للخرطوم.
الخرطوم، المدينة التي عرفت التاريخ من بوابة النيلين، لم تعد بعد أحداث الخامس عشر من أبريل كما كانت. ما جرى لم يكن مجرد اضطراب أمني عابر، بل كشف هشاشة في البنية، وخللاً في فلسفة إدارة العاصمة نفسها. ومن هنا تنطلق فكرة “درع النيل” بوصفها مراجعة شاملة، لا تقتصر على تعزيز الانتشار العسكري، بل تعيد تعريف العلاقة بين التخطيط العمراني والأمن والاستقرار.
اللافت في طرح المهندس ناجي العمدة أنه لا يتعامل مع الأمن باعتباره ثكنة مغلقة، بل منظومة متكاملة تبدأ من الشارع والحي وتنتهي عند مؤسسات الدولة السيادية. تقسيم العاصمة إلى قطاعات واضحة المعالم، وضبط مداخلها ومخارجها، وتأمين مرافقها الحيوية، ليست أفكاراً معزولة عن سياقها العالمي؛ بل هي امتداد لمدارس التخطيط التي نشأت في مدن عاشت تجارب قاسية ثم خرجت أكثر صلابة.
الفكرة الجوهرية هنا أن المدينة يجب أن تُصمم لتصمد. أن تكون كل منطقة قادرة على إدارة نفسها مرحلياً في حال الطوارئ، وأن تُبنى المرافق الحساسة بمعايير مقاومة أعلى، وأن تُدمج التكنولوجيا في الرصد والاستجابة، بحيث يتحول زمن رد الفعل من ساعات إلى دقائق. هذه ليست رفاهية هندسية، بل ضرورة فرضتها التجربة.
لكن ما يمنح هذه الرؤية أهميتها الحقيقية ليس فقط بعدها التقني، بل بعدها الاجتماعي والسياسي. إعادة تخطيط العاصمة بهذا الحجم تحتاج إلى شفافية كاملة، وحوار واسع مع المجتمع، حتى لا يُفهم التحصين الأمني على أنه تضييق مدني. المعادلة دقيقة: مدينة آمنة دون أن تفقد روحها، وعاصمة محصنة دون أن تتحول إلى مساحة مغلقة.
ومن زاوية أخرى، فإن الاستثمار في تحديث شبكات الكهرباء والمياه والاتصالات، وتأمين بدائل استراتيجية لها، يعكس فهماً عميقاً بأن الحرب الحديثة لا تستهدف الجيوش وحدها، بل تضرب البنية التحتية لتعطيل الحياة اليومية. لذلك فإن إعادة الإعمار الحقيقي تبدأ من تحت الأرض قبل أن تُرى فوقها.
الحديث عن المهندس ناجي العمدة لا ينفصل عن صورة جيل كامل يحمل على عاتقه مشروع نهضة السودان. الرجل أينما حضر، حضرت معه أفكاره ومخططاته. أوراقه التي قدمها في القاهرة حول إعادة إعمار السودان لفتت أنظار المتخصصين، ووضعت اسمه في صدارة النقاشات المتعلقة بمستقبل المدن السودانية. لم يكن حضوراً شكلياً، بل حضور فكر ومشروع.
حين يصير الأمر بيد الشباب، تتغير اللغة من الشكوى إلى التخطيط، ومن رد الفعل إلى المبادرة. السودان اليوم لا يحتاج فقط إلى ترميم ما تهدم، بل إلى إعادة صياغة شاملة لفلسفة الدولة في إدارة عاصمتها. “درع النيل” قد يختلف حول تفاصيله البعض، لكن قيمته الكبرى تكمن في أنه يفتح باب التفكير الجاد في مستقبل الخرطوم، بعيداً عن الحلول المؤقتة.
نهضة السودان لن تُفرض من الخارج، ولن تُولد من فراغ. هي نتاج عقول تؤمن بأن البناء فعل مقاومة، وأن التخطيط رؤية سيادية بقدر ما هو مسألة هندسية. وعندما نجد شباباً يضعون مثل هذه التصورات على الطاولة، فإن أقل ما يُقال إن المستقبل ما زال ممكناً… وأن الخرطوم قادرة أن تعود أقوى مما كانت.

تم نسخ الرابط بنجاح!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى