الصحافة وأخلاقيات المهنة

مرفأ الكلمات
عثمان عولي
ما يدور اليوم في فضاءات التواصل ليس مجرد سجال عابر بين أطراف مختلفة، بل مشهد يكشف حجم التوتر داخل البيت الإعلامي والسياسي معاً. اتهامات متبادلة حول ملفات يُعتقد أن بها شبهة فساد؛ من عقد تأهيل وصيانة كبري الحلفايا، إلى إيجارات عقارات لوزارات ومؤسسات اتحادية، مروراً بدفع مبالغ للدفاع عن شخصيات محسوبة على مجلس الوزراء، ووصولاً إلى اتهامات طالت لجنة الفريق إبراهيم جابر في ملف الصيانة، في مقابل اتهام مجلس الوزراء بعقود دولارية.
كل طرف يلوّح بمستندات، وكل جهة تقول إن الحقيقة في جانبها. وبين هذا وذاك، برزت أسماء ومسميات أُقحمت في معركة البيانات والتسريبات، من بينها مجموعة مرتبطة بعضو مجلس السيادة المستقيلة سلمى عبدالجبار، وموظف الأراضي بولاية الخرطوم، وأمين عام الحكومة، في ظل تضارب تصريحات حول الإقالة والاستمرار في المنصب، وحديث عن بلوغ سن المعاش دون مغادرة الموقع حتى اللحظة.
المشهد، في جوهره، لا يعكس فقط صراع مؤسسات، بل يكشف أزمة أعمق: أزمة أخلاقيات مهنة. عندما يتحول الصحفي إلى طرف في المعركة، ويصطف خلف مسؤول أو تيار، يصبح الكشف انتقائياً، وتُستخدم الوثائق كسلاح لا كوسيلة خدمة عامة. عندها يفقد الإعلام دوره الرقابي، ويتحول إلى منصة تصفية حسابات.
الصحافة ليست مهمة لتعرية الخصوم وحماية الحلفاء. الصحافة موقف أخلاقي قبل أن تكون مهنة. إن كانت هناك شبهة فساد، فالواجب كشفها كاملة، بلا انتقائية ولا توظيف سياسي. وإن ثبت الاتهام، فالمبدأ واضح: أي مسؤول تحوم حوله شبهة جدية يجب أن يغادر موقعه، مهما كانت إنجازاته أو اجتهاداته. النزاهة لا تتجزأ.
نحن مقبلون على مرحلة دقيقة؛ حرب تضع أوزارها بدماء أبناء الوطن الحقيقيين، وإعادة إعمار تحتاج إلى ثقة عامة قبل أن تحتاج إلى أموال. لا يمكن أن نبني دولة بشعارات قديمة أو ولاءات ضيقة. معيار المرحلة القادمة يجب أن يكون الشفافية، والمساءلة، والكفاءة. لا انتماء حزبي ولا قرب من مركز القرار ينبغي أن يكون صك براءة أو حصانة.
بناء السودان مسؤولية جماعية. لا مكان للتخوين، ولا للإقصاء، ولا لتصفية الحسابات تحت لافتة الوطنية. الشراكة من أجل الوطن تعني مساواة أمام القانون، وتعني إعلاماً مستقلاً يراقب الجميع بالمسافة ذاتها.
إن كنا صادقين مع دماء الشهداء، فعلينا أن نكون صادقين مع قيم الدولة التي نحلم بها. دولة لا تُدار بالهمس، ولا تُحمى بالتستر، بل تُبنى على الوضوح والعدالة. هذه هي المعركة الحقيقية… معركة الأخلاق قبل السياسة، ومعركة الضمير قبل المواقع




