تنمية ثقافية

العزّ بن عبد السلام…  الذي باع الملوك!

كتب/ محمد ابراهيم خالد

حينما أراد السلطان الأيوبي نجم الدين أيوب أن يُحكم قبضته على الدولة، استعان بالمماليك، فاشتراهم من بيت مال المسلمين وربّاهم وأعدّهم ليكونوا جنودًا وقادة في جيشه. ومع الأيام ترقّوا في المناصب حتى صاروا يتولّون أعظم الولايات، ويعقدون العقود، ويصدرون الأوامر، ويتصرّفون كالسلاطين!

لكن القدر كان يخبّئ لهم وقفةً لا تُنسى مع رجلٍ واحد…
العزّ بن عبد السلام، سلطان العلماء، وشيخ الشافعية، وقاضي القضاة.

عندما تولّى العز منصب القضاء في مصر، نظر بعين الشريعة لا بعين العادة، فرأى المماليك يتصرّفون في البيع والشراء، ويتقلدون المناصب، وهم شرعًا لا يزالون عبيدًا لم يُعتقوا عتقًا صحيحًا!
فأصدر فتوى بأن تصرّفاتهم باطلة، وولايتهم غير جائزة، وقال لهم صراحةً: “أنتم أرقّاء، وحُكم الرقّ لا يزال قائمًا عليكم، وسأعرضكم للبيع في السوق!”

اشتعل المماليك غضبًا، ورفعوا أمرهم إلى السلطان نجم الدين، فاستدعاه وقال له: “ما شأنك وهذا؟!”
فرد العزّ بثبات: “هذا من شأن الدين، ولن أقبل بغير العدل!”

وعندما اشتدّ النزاع، قرر العزّ أن يعزل نفسه عن القضاء، وحزم متاعه وركب دابته مغادرًا مصر، فخرجت الجماهير خلفه؛ رجالٌ ونساءٌ وصغار، علماء وتُجّار، لا يريدون أن يفقدوا العالم الذي نطق بالحق!

وصل الخبر إلى السلطان، فجاءه بنفسه، وطلب منه العودة، وسأله عن الحل.
قال العزّ: “يُباع المماليك، ويُعتقهم من يشتريهم، ويُردّ ثمنهم إلى بيت المال، لأن الدولة هي من دفعت ثمنهم أصلاً.”

وافق السلطان، وأرسل المال من خزينته الخاصة، ووقف العزّ بن عبد السلام بنفسه في السوق ينادي على أمراء الدولة واحدًا تلو الآخر، ويغالي في ثمنهم، ثم يودع المال في بيت مال المسلمين!

حتى نائب السلطان، الذي هدّد بقتل الشيخ، لما وقف أمامه ورفع سيفه، اضطرب وبكى وقال: “فيمَ تُصرف ثمننا؟”
فقال العزّ بثقة: “في مصالح المسلمين!”

ذلك هو العزّ بن عبد السلام… من باع الملوك لتُشترى كرامة الأمة!

📚 من كتاب صفحات مطوية من حياة سلطان العلماء العزّ بن عبد السلام
من منشورات #سير_أعلام_العظماء

تم نسخ الرابط بنجاح!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى