مقالات

ضرب العلاقات السودانية المصرية… لعبة الإشاعة

مرفأ الكلمات
عثمان عولي

ما جرى تداوله في وسائل التواصل الاجتماعي وبعض المنابر المضلِّلة خلال الأيام الماضية لا يخرج عن كونه محاولة مكشوفة لخلق بلبلة وتشويش على واقعٍ مختلف تماماً. الواقع يقول إن العلاقات السودانية المصرية تمضي إلى الأمام، بثبات ووضوح، مدفوعة بإرادة سياسية ورؤية دبلوماسية واعية.
الجهود التي يبذلها السفير عماد عدوي والسفير هاني صلاح تمضي في اتجاه واحد: تعبيد الطريق الدبلوماسي، إصلاح ما تعكّر، وتقريب وجهات النظر بين قيادتي البلدين، مع إسناد ذلك بعلاقات شعبية راسخة تعرف قدر الجوار والتاريخ والمصير المشترك. والمواقف الرسمية للحكومة المصرية، التي وضعت خطاً أحمر واضحاً تجاه السودان، وتفعيل اتفاقية الدفاع المشترك، كانت رسائل قوية أربكت أعداء البلدين ودحضت محاولاتهم البائسة لضرب العلاقة الثنائية.
حين يفشل الخصوم في الميدان السياسي، يبدأ العمل المضاد. وكانت أولى الحيل جرّ المواطنين إلى صراعات افتراضية عبر منصات التواصل، ثم تصعيد الخلافات باستخدام ما يُسمّى بـ«المثقفاتية» وبعض الرموز الاجتماعية، وصولاً إلى الكذب الصريح، والتلفيق، واستثمار العاطفة لصناعة مواقف عدائية تجاه العلاقات السودانية المصرية.
ولم تتوقف حملة الأكاذيب عند حدود الجاليات في الخارج، بل امتدت إلى الداخل السوداني نفسه، عبر دعوات منظمة لمقاطعة المنتجات المصرية، والتحريض على إغلاق الشوارع أمام الشاحنات المصرية، تحت ذرائع واهية مثل نقل المواد الخام من المنتجات الزراعية، والثروة الحيوانية، بل وحتى الذهب. وهي دعاوى لا تستند إلى حقائق، بقدر ما تستهدف ضرب شرايين التبادل التجاري، وتعطيل مصالح المواطن السوداني قبل غيره، وزرع الشك والعداء في علاقات اقتصادية قائمة على المصالح المشتركة والاتفاقات المعلنة.
رأينا وسمعنا إشاعات خرجت بلا حياء، وانتشرت بسرعة مقلقة. من بينها قصة الطفلين السودانيين، والرواية التي زعمت القبض على والدتهما وتركهما في المنزل بلا طعام ولا شراب. قصة لا يصدقها عقل، ومع ذلك وجدت طريقها للانتشار. وقد اطّلعت على تحقيق ميداني أجرته مجموعة من الجالية السودانية، ذهبوا فيه إلى الموقع، وسألوا المعنيين، ولم يجدوا أي واقعة، ولا معلومات، ولا حالات وفاة. القصة كانت مفبركة بالكامل، صُنعت لإثارة البلبلة لا أكثر.
الأمر ذاته تكرر في قصة الرجل العجوز الذي قيل إنه توفي في السجن. رواية مختلقة، لا وفاة، ولا حادثة، بل إن الصورة المتداولة تعود لرجل في الإسكندرية قبل سبع أو ثماني سنوات. نحن أمام تزوير للأخبار والحوادث، واستخدام فجّ للذكاء الاصطناعي في اختلاق صور وقصص لا وجود لها على الأرض.
هل نتذكر معاً قبل خمسة أو ستة أشهر حملة الإشاعات عن خطف البنات والأطفال وبيع الأعضاء؟ يومها انجرفت مشاعر كثيرة، ثم ظهرت الحقيقة: لا خطف، ولا عصابات، بل مشاكل أسرية وأطفال تائهون تركوا أماكن سكنهم. كانت حملة كذب منظمة، وانكشفت.
من هنا، الرسالة واضحة وبسيطة: لا تساعد في نشر الإشاعة، لا بتعليق ولا بمشاركة. إن كنت متأكداً، أو شاهدت الواقعة بنفسك، عندها فقط تحدث. غير ذلك، فالصمت مسؤولية. كثيرون ينساقون خلف العاطفة التي يتقن مروجو الإشاعات اللعب عليها لجذب الانتباه ودفع الناس إلى الخطأ.
لا ترد على التعليقات المغرضة، ولا على الصفحات المشبوهة التي تتخذ منك وقوداً. شخصياً، أرى تعليقات مسيئة على بعض منشوراتي، وحين أتفقد أصحابها أجد صفحات جديدة، بلا أصدقاء، صُنعت خصيصاً لنشر الكراهية والأكاذيب.
العلاقات السودانية المصرية أكبر من منشور مفبرك، وأعمق من صورة مزوّرة، وأقوى من حملة تضليل عابرة. وتحري الدقة في نقل الأخبار والتعليقات ليس ترفاً، بل واجب وطني وأخلاقي.

تم نسخ الرابط بنجاح!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى