اخبار مصرمقالات

حماد الرمحي يكتب: أزمة البوابة نيوز.. خارطة طريق في غرفة الإنعاش

أزمة البوابة نيوز.. خارطة طريق في غرفة الإنعاش

بقلم: الدكتور حماد الرمحي عضو مجلس إدارة صندوق التكافل بنقابة الصحفيين، خبير التحول الرقمي في الصحافة والإعلام.

في لحظةٍ فارقة من تاريخ الصحافة المصرية، تتفاقم أزمة الصحفيين بجريدة «البوابة نيوز» بوصفها ناقوس إنذارٍ مدوّيًا لا يخصُّ مؤسسةً بعينها، ولا فئةً محددة، بل يمسُّ صميمَ المهنة ومستقبلَها.

أكثر من ستين يومًا من الإعتصام المشروع، يفترش خلالها زملاؤنا البلاط داخل جريدة «البوابة»، انتظارًا لـ«العدالة البطيئة» التي تحولت إلى عقاب جماعي لأكثر من 300 أسرة صحفية، في جريمة بكل ما تحمله الكلمة من معانٍ، سنقف جميعًا – بلا استثناء – أمام محكمة التاريخ بسببها، وهي محكمة لا ترحم المتخاذلين.

أكثر من ستين يومًا، دون أن تخرج مبادرة جادة تُحلحّل الأزمة أو مقترح عملي يطلّ ببصيص من الأمل، فيما توقفت جميع الحلول والمبادرات عند «الاقتراح المُر» بتصفية الشركة وتسريح أبنائها، وسط حالة هروب جماعي من تحمّل المسؤولية.

إن الهروب من المواجهة، وتحميل المسؤولية لطرف واحد، يُعد خيانةً للأمانة المهنية، إذ لا بد أن يتحمل الجميع مسؤولياتهم قبل وقوع الكارثة. فمجلس إدارة المؤسسة يتحمّل العبء الأكبر، وعلى نقابة الصحفيين التدخل بإجراءات عملية وحلول فورية، كما لا غنى عن تدخل الدولة، ممثلة في المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، ووزارتي العمل والتضامن الإجتماعي، وغيرها من الجهات ذات الصلة، لإنقاذ المشهد من الإنهيار التام.

ولا تكمن خطورة المشهد في إغلاق نافذة إعلامية وطنية فحسب، بل في هدم حصنٍ من حصون الدفاع عن الرأي العام المصري.

ففي زمن تتصاعد فيه التحديات الإقليمية والدولية، وتشتد فيه حروب الجيل الرابع التي تُشن بسلاح المعلومات والشائعات، يصبح وجود منصات إعلامية وطنية مخلصة، تمتلك المصداقية والإنتشار، خط الدفاع الأول عن عقل الأمة ووجدانها.

وتتعاظم الكارثة حين ندرك أن إغلاق الصحيفة لن يطوي صفحاتها فقط، بل سيلقي بأكثر من 300 صحفي إلى شوارع البطالة، محوّلًا إياهم من حراسٍ للوعي إلى أرقام في طابور العطالة، ومن منتجين للفكر إلى عبء اجتماعي.

خارطة طريق اللحظات الأخيرة:

إن التعاون الجاد والمسؤول هو الطريق الآمن الوحيد للخروج من هذه الأزمة، بينما لا يؤدي الصدام إلا إلى تعقيدها، وتحويله إلى جزء من «رصاصة الرحمة» التي يسعى البعض إلى إطلاقها على جسد المؤسسة، دون اكتراث بمأساة إنسانية ومهنية تطال أكثر من 300 أسرة صحفية باتت معلقة في مهب الريح.

وانطلاقًا من هذه القناعة، أضع أمام الجميع هذا المقترح المتكامل، الذي أراه واقعيًا وقابلًا للتطبيق إذا توفرت الإرادة الصادقة، ويتوزع على عدة محاور واضحة تمثل خارطة طريق لإنقاذ المؤسسة قبل فوات الأوان.

المحور الأول: إنقاذ الوضع الراهن:

أولًا: تجميد قرار التصفية مؤقتًا، إعلاءً لمبدأ «الإنقاذ قبل الإفلاس» ووقف كافة الإجراءات القضائية لمنح المؤسسة فرصة حقيقية لإلتقاط الأنفاس وإعادة تقييم الموقف وخلق مساحة من الثقة والإستقرار تسمح بتطبيق خطة الإنقاذ.

ثانيًا: تشكيل لجنة إنقاذ مستقلة تضم ممثلين عن الإدارة وخبراء ماليين وإعلاميين، وممثلًا عن نقابة الصحفيين والمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام ووزارتي العمل والتضامن الإجتماعي، على أن تتولى خلال ثلاثين يومًا إعداد «خطة إنقاذ» واضحة، واقعية، وقابلة للتطبيق.

ثالثًا: إطلاق برنامج تضامني تشاركي بين «المؤسسة ونقابة الصحفيين والمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام ووزارتي التضامن الإجتماعي والعمل»، يضمن دعم الجميع لتطبيق الحد الأدنى للأجور لجميع الصحفيين لمدة عام كامل وبشكل فوري، على أن تتحمل المؤسسة وحدها هذا الإلتزام من العام الثاني.

رابعًا: إعادة هيكلة الديون، بإعتبارها خطوة لا غنى عنها، عبر التفاوض مع مصلحة الضرائب، وهيئات التأمينات الإجتماعية، والموردين، لتحويل الإلتزامات إلى أقساط طويلة الأجل، مع تجميد الغرامات والفوائد، بما يوفر للمؤسسة متنفسًا ماليًا حقيقيًا.

خامسًا: خفض التكاليف التشغيلية دون المساس بحقوق الصحفيين أو اللجوء إلى تسريحهم، من خلال دمج بعض الإدارات المتشابهة، وتقليص المصروفات غير الأساسية، والتحول إلى نظام العمل الهجين الذي يجمع بين العمل التقليدي والرقمي والعمل عن بعد.

سادسًا: وقف إصدار النسخة الورقية مؤقتًا لمدة تتراوح بين ثلاثة وستة أشهر، بالتنسيق والإتفاق مع المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، لحين استقرار الأوضاع المالية للمؤسسة.

سابعًا: التحول الكامل إلى منصة رقمية متطورة تمثل جوهر عملية الإنقاذ، بما يسهم في خفض النفقات التشغيلية بنسبة قد تصل إلى 70%، مع إعادة توجيه الموارد نحو تطوير المحتوى الرقمي والبنية التكنولوجية، وبناء نموذج صحفي أكثر حداثة واستدامة، يعتمد على الصحافة الرقمية المتخصصة، والمحتوى المدفوع، ونماذج الإشتراكات، والشراكات الذكية، بعيدًا عن الإرتهان الأعمى للإعلانات التقليدية التي لم تعد تشكل ضمانة حقيقية للبقاء أو الإستمرار.

ثامنًا: إعادة هيكلة منظومة الأجور بشكل عادل ومتوازن، يضمن حدًا أدنى كريمًا لجميع الصحفيين، مع تأجيل جزء من الأجور المرتفعة، مقابل تعهد قانوني واضح بالسداد في مرحلة لاحقة.

تاسعًا: طرح خيار بيع أسهم «اختيارية» للصحفيين العاملين بالجريدة، لمن يرغب، بما يحولهم من مجرد موظفين إلى شركاء حقيقيين في عملية الإنقاذ، ويعزز روح الإنتماء والمسؤولية الجماعية.

عاشرًا: الدخول في صيغ تعاون أو تكامل أو شراكة أو توأمة مع شركات إعلامية وطنية أو أحزاب سياسية، أو مستثمرين، وهي تجارب ناجحة سبق تطبيقها في مصر وأسهمت في إنقاذ مؤسسات صحفية من أزمات مماثلة.

المحور الثاني:

إعادة بناء نموذج استثماري مستدام، يستهدف هذا المحور الإنتقال بالمؤسسة من منطق إدارة الأزمة إلى منطق بناء نموذج اقتصادي استثماري مستدام، قائم على تعظيم قيمة المحتوى، وتدويل الخدمات الإعلامية، واستثمار رأس المال البشري، وذلك على غرار المؤسسات الإعلامية الدولية، على النحو التالي:

أولًا: الإستثمار في المحتوى الإعلامي، من خلال إنتاج وبيع كافة المنتجات الإعلامية المكتوبة والمسموعة والمرئية لشركات الإعلام العالمية.

وتحويل غرفة التحرير إلى «أستوديو إنتاج محتوى» متعدد الأوجه، قادر على تقديم منتجات إعلامية متنوعة، تشمل إطلاق اشتراكات رقمية متخصصة بنظام شهري، وتقدم تقارير معمقة وملفات تحليلية وبيانات حصرية لحساب الغير.

وإنشاء وحدة احترافية لإنتاج المحتوى الممول عالي الجودة، مثل التحقيقات والأفلام الوثائقية والتقارير المصورة والمحتوى الترويجي، بما يلبي احتياجات القنوات والمنصات الإقليمية والدولية، فضلًا عن تقديم خدمات الإستشارات الإعلامية والتدريب المهني المدفوع في مجالات إدارة الأخبار، والتغطيات المتخصصة، وإدارة الأزمات الإعلامية، وهذا البند يحقق وحده في بعض المؤسسات الإعلامية الدولية أكثر من مليون دولار شهرياً.

ثانيًا: تدشين شركة متكاملة للتسويق الرقمي تابعة للمؤسسة، تكون مهمتها تقديم الخدمات الإعلانية والتسويقة لكافة المؤسسات الدولية التنموية والتجارية والسياسية والدولية، من خلال تقديم حزم احترافية لإدارة الحملات الإعلانية الرقمية، وتحسين محركات البحث، والتسويق عبر منصات التواصل الإجتماعي، مع التركيز على أسواق الخليج وإفريقيا التي تشهد طلبًا متزايدًا على هذا النوع من الخدمات.

ثالثًا: بناء شراكات استراتيجية تقنية وتجارية مع المنصات الدولية الكبرى، مثل «جوجل نيوز» و«ميتا» و«أبل نيوز»، بهدف الإستفادة من برامج دعم الناشرين، ومشاركة الإيرادات، وتوسيع نطاق الوصول العالمي للمحتوى، والحصول على منح وتمويلات مخصصة لدعم الصحافة الجادة.

رابعًا: إنشاء تحالف محتوى إقليمي عربي، يقوم على التعاون مع مؤسسات إعلامية عربية أخرى لتبادل المحتوى المميز بنظام مدفوع، وإنتاج تحقيقات وملفات مشتركة، وتقاسم الموارد التحريرية، بما يؤدي إلى توسيع قاعدة المحتوى، ورفع جودته، وخفض التكاليف التشغيلية في آن واحد.

خامسًا: استثمار رأس المال البشري للمؤسسة:

تمتلك المؤسسة رصيدًا نوعيًا من الصحفيين المتميزين والخبراء في المجالات السياسية والإقتصادية والإجتماعية والرياضية والأمنية والإستراتيجية، إلى جانب خبرات متراكمة في إدارة وإنتاج المحتوى، وهو رصيد غير مستغل اقتصاديًا بالشكل الأمثل، وهو ما يستلزم تحويل هذه الكفاءات من طاقة معطلة أو مستهلكة داخل غرف الأخبار، إلى وحدات إنتاج واستثمار مباشر تولد عوائد كبيرة ومستدامة للمؤسسة وللعاملين بها، من خلال مسارات قابلة للتطبيق على النحو التالي:

-إنشاء مركز تدريب احترافي بمواصفات دولية، يقدم برامج تدريب مدفوعة في الصحافة المتخصصة، وصحافة البيانات، والتحليل السياسي والإقتصادي، وإدارة غرف الأخبار، والتحقق من المعلومات، وصناعة المحتوى الرقمي، ويُسند التنفيذ إلى نخبة من صحفيي المؤسسة، مع توجيه هذه البرامج إلى الصحف والمؤسسات الإعلامية، والجامعات، والمعاهد، والأكاديميات داخل مصر وخارجها، بما يحوّل الخبرة التحريرية إلى منتج معرفي مربح ومتجدد.

-إنتاج الدراسات والبحوث الإستراتيجية لحساب الغير، من خلال استغلال الخبرات التحليلية المتقدمة لدى الصحفيين المتخصصين في إنتاج دراسات اقتصادية، وتقارير سياسية وأمنية، وأوراق تقدير موقف، وتحليلات استراتيجية تُسوق لصالح مراكز أبحاث، وشركات استثمار، ومؤسسات دولية، وجهات استشارية، ويُدار هذا النشاط من خلال وحدة بحثية شبه مستقلة داخل المؤسسة، تضمن الجودة، والإحترافية، وتحقق عوائد مرتفعة مقارنة بتكلفة الإنتاج.

-تحويل الصحفيين إلى منتجين لمنصات ومحتوى متخصص، من خلال تفعيل نموذج الريادة الداخلية، حيث يُمنح الصحفيون الحق في ابتكار وإدارة منصات رقمية أو نشرات تحليلية متخصصة أو بودكاست وبرامج فيديو في مجالات السياسة والإقتصاد والرياضة والثقافة، تحت العلامة التجارية للمؤسسة، مقابل نسب عادلة من الأرباح.

بهذا التصور، تتحول المؤسسة إلى حاضنة استثمار للعقول والخبرات، ويتحول الصحفي من موظف تقليدي إلى منتج وشريك في العائد، بما يضمن مضاعفة الإيرادات، واستدامة النمو، وبناء نموذج إعلامي حديث قادر على المنافسة محليًا ودوليًا.

وأخيرًا، فإن هذه مجرد مبادرة صادقة مني أطرحها للجميع للمشاركة والأخذ والرد والتطوير، وأؤكد أنها مستمدة من نماذج عملية مطبقة وناجحة في كبرى المؤسسات الإعلامية الدولية، وأثبتت قدرتها على إنقاذ كيانات صحفية من الإنهيار وتحويلها إلى مؤسسات مستدامة وقادرة على النمو.

وانطلاقًا من مسؤوليتي المهنية والإنسانية، فإنني أؤكد استعدادي الكامل لتقديم كل دعم ممكن، والمشاركة الفعلية في تنفيذ هذه الرؤية ووضعها موضع التطبيق، «متطوعًا ودون أي مقابل» إنقاذاً لما يقرب من 300 أسرة صحفية باتت رهينة لضمير «العدالة البطيئة» وحرصًا على حماية مؤسسة صحفية وطنية من السقوط، وصون رسالتها، وحق العاملين بها في مستقبل آمن وكريم.

تم نسخ الرابط بنجاح!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى