سودانير.. وهل من عودة قريبة؟

مرفأ الكلمات
عثمان عولي
كنت قد كتبتُ من قبل عمودًا حمل عنوان: «سودانير… أقدلي وسكتي الخشامة»، كتبته يومها من موقع الأمل، ومن زاوية الاعتزاز بالناقل الوطني وهو يحاول، بطائرة وطاقم وإرادة، أن يثبت أن السودان ما زال حاضرًا في السماء رغم الحرب.
واليوم، أعود للكتابة عن سودانير مرة أخرى، ولكن من موقع السؤال لا الاحتفاء، ومن زاوية القلق لا الاطمئنان.
فحتى هذه اللحظة، ما زالت سودانير بطائرة واحدة، لا تزال تخضع للصيانة، في وقتٍ يحتاج فيه السودان أكثر من أي وقت مضى إلى عودة حقيقية وقوية للناقل الوطني.
سودانير ليست شركة طيران عادية، ولا يمكن التعامل معها بمنطق الأرقام الباردة أو الحسابات الضيقة.
سودانير اسم وطن، وراية سيادة، وواجهة دولة. هي واحدة من ساحات الفداء الرمزي، التي نقيس بها حضور السودان وغيابه، قوته وانكساره. وحين نتحدث عنها، فنحن لا نتحدث عن شركة، بل عن معنى.
في هذا الظرف الاستثنائي، وفي زمن المهام الصعبة، يبرز دور الدولة أكثر من أي وقت مضى. ويبرز على وجه الخصوص وزير النقل، الذي شهدت وزارته حراكًا ملحوظًا، وجهدًا مقدرًا، وإنجازات لا يمكن إنكارها رغم تعقيدات المرحلة.
ومن هنا، يحدونا الأمل أن يلتفت هذا الجهد إلى سودانير، باعتبارها أولوية وطنية لا تقل أهمية عن الطرق والموانئ.
وكذلك يبرز اسم وزير المالية، الرجل الذي يمكن وصفه – دون مبالغة – بأنه أحد فرسان هذا الزمن الصعب، رجل تحمّل ملفات معقدة في ظل حرب خانقة، وسجل إنجازات لو جُمعت لاحتاجت إلى مجلدات.
وسودانير، بلا شك، تستحق أن تكون ضمن هذا الملف الثقيل، لا كعبء، بل كاستثمار في صورة الدولة ومستقبلها.
لقد رأينا جميعًا كيف استطاعت سودانير، رغم شح الإمكانيات، أن تنفذ رحلات العودة الطوعية، وأن تسهم في ربط السودانيين بوطنهم، وأن تكون حاضرًا إنسانيًا قبل أن تكون ناقلًا جويًا.
ورأينا كيف تحولت ثلاث رحلات أسبوعية إلى رحلة يومية، وكيف حمل الطاقم الوطني الركاب لا على المقاعد فقط، بل على أكتاف المحبة والانتماء.
لكن هذا الجهد، مهما كان صادقًا، لا يمكن أن يستمر بطائرة واحدة.
فالدولة التي تريد إعادة إعمار، وتحريك إنتاج، ولمّ شتات شعب، لا بد أن يكون لها ناقل وطني قوي، مستقر، متعدد الأسطول، واضح الرؤية.
سودانير اليوم تقف عند مفترق طرق:
إما أن تعود فعلًا، كناقل وطني يليق باسم السودان،
أو تظل تدور في مربع المحاولات المحدودة، وهو وضع لا يخدم الدولة ولا المواطن.
كابتن مازن ورفاقه، من طيارين ومهندسين ومضيفين وإداريين، أدوا ما عليهم بصدق، وبذلوا أقصى ما في وسعهم، وكانوا – بحق – خلية نحل تعمل بصمت في زمن الضجيج.
لكن المسؤولية الأكبر الآن ليست على العاملين، بل على صانع القرار.
سودانير لا تطلب المستحيل…
تطلب فقط قرارًا شجاعًا، يضعها في موقعها الطبيعي:
ناقلًا وطنيًا، وسفيرًا في السماء، وعنوانًا لعودة السودان.
فهل من عودة قريبة؟
هذا سؤال نطرحه بمحبة، لا بتجريح…
وبأمل، لا بيأس.
سودانير… أقدلي، لكن الطريق ما زال طويلًا.




