مسرح الجمهور ونبض الحياة… عزالدين كوجاك

مرفأ الكلمات
عثمان عولي
وأنت تعبر إلى ودمدني، عاصمة الإبداع والجمال، تستقبلك عبارتها الأثيرة: ابتسم فأنت في مدني. عبارة ليست للزينة، بل مفتاح لفهم روح مدينة أنجبت فناً يشبه الناس، ومن بين ملامحها لا يمكنك أن تمضي دون أن تتوقف عند سيرة إنسان اختار أن يكون المسرح صوته، وأن يكون الناس مسرحه… إنه عزالدين كوجاك.
في مصر، أم الدنيا وأم الفنون، حيث يقيم اليوم متعافياً بإذن الله، استعاد كوجاك علاقته القديمة مع الجمهور عبر أمسية استضافها اتحاد الفنانين السودانيين بالقاهرة، جاءت احتفاءً بـ اليوم العالمي للمسرح، لكنها في حقيقتها كانت احتفاءً بروح الفن حين يكون صادقاً.
الأمسية لم تكن عادية؛ كانت مكثفة في معناها، عميقة في أثرها. عرضٌ بصري عبر فيلم وثائقي استعاد محطات من رحلة كوجاك، قدّمها ببساطة تشبهه: بدايات، محاولات، إصرار، ثم مشروعه الأبرز… مسرح الكارو.
هذا المسرح ليس قاعة ولا خشبة تقليدية، بل فكرة تمشي على عجلات. الكارو الذي يعرفه الناس كوسيلة بسيطة، تحوّل في يد كوجاك إلى منصة وعي، تجوب الأسواق، وتدخل المشافي، وتطرق أبواب السجون، بل وتصل إلى المقابر إن لزم الأمر. مسرح لا ينتظر جمهوره، بل يذهب إليه، حيث الحياة بكل تناقضاتها.
وفي قراءة عميقة للتجربة، تحدث الدكتور عادل حربي، مؤكداً أن مسرح كوجاك أعاد تعريف العلاقة بين الفنان والمجتمع، وكسر الحواجز بين الفن والنخبة، ليعيده إلى أصله: رسالة للناس، ومن الناس.
أما كوجاك نفسه، فكان كما هو دائماً، بسيطاً في حديثه، عميقاً في رؤيته. شكر الحضور فرداً فرداً، واستعاد أفكاره الحالية والمستقبلية، وكأنه لا يزال في بداية الطريق، لا في منتصف تجربة ثرية.
ولأن الفن الحقيقي لا يكتمل إلا بالتفاعل، جاءت مداخلات الحضور لتضيف بعداً آخر، من بينهم علي مهدي، وابونا ديماديوس والذي اكد علي علاقته به ليست علاقة عابرة علاقة فن وابداع ومجتمع وتعايش بين الديان وتحدث الدكتور علي حبور، وربط علتقة عزالدين بثقافة الصحة والارشا. والأستاذ نبيل غالي، ونلت شرف ان اتحدث عن تجربتي مع عزالدين كوجاك وبحثه عن المواهب عبر الجمعيات الادبية في المدارس إلى جانب عدد من المهتمين بالشأن الثقافي، حيث تحولت الأمسية إلى مساحة حوار حي حول معنى المسرح ودوره في زمن الأزمات.
شخصياً، لم يكن لقائي بكوجاك مجرد مصافحة، بل كان مواجهة مع فكرة. رجل يؤمن أن الفن ليس ترفاً، بل ضرورة، وأن المسرح يمكن أن يكون خبزاً للوعي، وماءً للروح.
في زمن الحرب والتشظي، حيث يعاني المبدعون في الداخل، خاصة في مراكز الإيواء بمدني، من قسوة التهميش، تأتي تجربة كوجاك لتقول إن الفن لا يموت، بل يهاجر، يتألم، ثم يعود أكثر صدقاً.وقد أصابه ما اصاب زملاءه من ويلات النزوح بسبب الحرب ودخول التمرد الي مدني فحمل ابداعه الي ولاية النيل الأبيض كأول رحله له نازحا ومبتعدا عن عمقه الحقيقي ثم القضارف وكسلا وبورسودان ثم العودة لمدني حبا بل اكثر من ذلك .
التحية لاتحاد الفنانين السودانيين بالقاهرة على هذا الحضور الثقافي المتواصل، والتحية الأكبر لأولئك الذين يحملون الفن في قلوبهم، حتى وإن ضاقت بهم الجغرافيا.
أما عزالدين كوجاك… فهو ببساطة، لم يصنع مسرحاً متجولاً فحسب، بل صنع معنى جديداً للمسرح:
أن يكون مع الناس… وللناس… ومن الناس.
سفيرا للنوايا الحسنة سفيرا فوق العادة والاعتياد.




