سفارة السودان بالقاهرة… حين يتحول التحدي إلى نموذج

مرفأ الكلمات
عثمان عولي
0ليست كل المعارك تُخاض بالسلاح، فهناك معارك أكثر هدوءاً… لكنها أعمق أثراً.
سوف يخلدها التاريخ معركة التعليم واحدة من تلك الجبهات التي لا تحتمل الهزيمة، لأنها ببساطة معركة المستقبل. ومن قلب القاهرة، تبدو سفارة السودان وكأنها تخوض هذا التحدي بثبات، للعام الثالث على التوالي، في واحدة من أكثر الظروف تعقيداً في تاريخ السودان الحديث.
ما جرى في “بيت السودان” لم يكن مجرد لقاء توضيحي عابر، بل كان أقرب إلى إعلان جاهزية مكتملة الأركان. الصورة هذه المرة مختلفة؛ أكثر تنظيماً، أكثر وعياً، وأكثر قدرة على تجاوز أخطاء الأعوام السابقة. عندما تتحدث الأرقام عن 58 مركزاً موزعة بين القاهرة والإسكندرية وأسوان، وما يقارب 38 ألف طالب وطالبة، فإننا لا نتحدث عن حدث عادي، بل عن عملية وطنية ضخمة تُدار خارج حدود الوطن.
اللافت في هذا المشهد ليس فقط حجم التحدي، بل حجم الشراكة. من وزارة التربية والتعليم المصرية إلى الأجهزة الأمنية، إلى الجالية السودانية، إلى روابط الطلاب… كلهم ينسجون معاً خيطاً دقيقاً اسمه “النجاح”. هذه ليست مجاملة دبلوماسية، بل حقيقة فرضتها الظروف، وأكدتها التجربة.
في قلب هذا الحراك، يبرز دور المستشار الثقافي د. عاصم أحمد حسن، الذي قدّم خطاباً متوازناً بين الطمأنة والحزم؛ طمأنة للأسر بأن كل شيء تحت السيطرة، وحزم في التوجيهات، خصوصاً ما يتعلق بعدم التكدس أمام مراكز الامتحانات. فنجاح الامتحانات لا تصنعه القاعات وحدها، بل يصنعه أيضاً وعي المجتمع المحيط بها.
ولا يمكن تجاوز الجهد الصامت الذي يُبذل في الجوانب الخدمية، خاصة ما أشير إليه بقيام المستشارية الطبية وعلي راسها المستشار الطبي د. خضر فيصل، من توفير خدمات الطوارئ داخل المراكز. هذه التفاصيل الصغيرة هي التي تصنع الفارق الكبير، وهي التي تعطي الامتحانات هذا العام طابعاً مختلفاً.وكان لمستشارية الجوازات والسجل المدني وعلي رأسها سعادة المستشار الوليد سيد دورا كبيرا ومنذ فترة طويلة في استخراج الاوراق الثبوته التي تاهل الطلاب للجلوس لأداء الامتحانات فسهلت واسرعت في ذلك واحكمت شراكتها مع الادارة الفنية في تأمين الامتحانات والمراكز .
ثم يأتي التحول الأهم… الرقمنة. حديث مدير مدرسة الصداقة د. عبدالمحمود النور عن النظام الإلكتروني لم يكن تفصيلاً عابراً، بل مؤشر على نقلة نوعية. معالجة أرقام الجلوس، متابعة المراقبة، تقليل الأخطاء البشرية… كلها إشارات إلى أن التجربة تتطور، لا تعيد نفسها.
وفي زاوية أخرى، يبرز دور المجتمع نفسه؛وقفت الجالية السودانية والتي اوضح جهدها الاستاذ محمد الجيلي سعدابي الأمين العام والتي كأن دورها في الإسناد الشعبي وحشد الطاقات وتوجيه الأسر، وحتى المبادرات التدريبية التي أشار إليها مجدي الحكيم. هذه ليست مجرد مساهمات، بل هي إعادة تعريف لدور المجتمع في دعم التعليم خارج الوطن. وكذلك حديث الأستاذة نعيمة الترابي عن الإرشاد الأسري، الذي يعيد التذكير بأن النجاح لا يبدأ في قاعة الامتحان، بل من داخل البيت.
وسط كل هذا، يبقى السؤال الأهم: هل نحن أمام تجربة استثنائية فرضتها الحرب، أم أمام نموذج يمكن البناء عليه مستقبلاً؟
الإجابة ربما تتضح لاحقاً… لكن المؤكد الآن أن ما يحدث في القاهرة هو درس عملي في كيفية إدارة الأزمات، وتحويلها إلى فرص. فحين تتكامل الجهود، وتتوحد الإرادة، يصبح المستحيل مجرد تفصيل قابل للحل.
هذه ليست قصة امتحانات فقط…
هذه قصة وطن يُصرّ أن يعلّم أبناءه، مهما كانت الظروف.
وطن ينتصر بشعبه الصامد الصابر عبر امتداد التاريخ .




