مقالات

الأستاذ محجوب فضل بدري… عبارات القلوب وجسور الوجدان

مرفأ الكلمات
عثمان عولي

حين يحضر اسم الأستاذ محجوب فضل بدري، لا تكون الكلمات في أفضل حالاتها، بل تقف مترددة على أعتاب المعنى، كأنها تستأذن القلب قبل أن تُقال. فبعض الأسماء لا تُكتب… بل تُستشعر، وبعض القامات لا تُوصف… بل تُعاش.
في حضرته، كنت أتعلم قبل أن أعمل، وأفهم قبل أن أكتب. كانت زياراتي له في مكتبه بالإنتاج التجاري بالتلفزيون بداية خيطٍ ممتد من المودة، خيطٍ لم تقطعه الأيام، بل زادته عمقاً التجربة وقربته حرارة الإنسان. ثم امتد ذلك الخيط إلى بيته في أمبدة، حيث كانت الإنسانية تُمارس ببساطتها الأولى؛ بيتٌ مفتوح، وقلوبٌ لا تعرف الاعتذار عن الكرم.
رحم الله السيدة سامية، أم عياله، تلك المرأة التي كانت عنواناً للضيافة ووجهًا آخر للوفاء. كانت تستقبلك بابتسامة تُغني عن ألف كلمة، وتُشعرك أنك في بيتك، حتى وإن غاب صاحب الدار. هناك، لم يكن الاستئذان شرطاً، ولا المواعيد قاعدة… بل كانت القلوب هي التي تُدير المشهد.
ومضت الأيام، لأجد نفسي تحت قيادته المباشرة في تلفزيون الجزيرة، وهنا تحولت العلاقة من ودٍ إنساني إلى مدرسة مهنية متكاملة. لم يكن يعلّمك كيف تعمل فقط، بل كيف تكون. يضعك أمام نفسك، ويقودك نحو الأفضل دون أن يرفع صوته، ودون أن يفرض حضوره… يكفي أنه حاضر.
كنت أكتب حينها عمودي تحت اسم “كلام مجنون”، أتنقل بين المواضيع، وأقفز بين الأفكار، بلا رابط إلا نبض اللحظة. كان الاسم يثير الجدل، بين من يراه خفة،رائ استاذنا عوض جادين والذي لايروق له الاسم ومن يراه مساحة للبوح وهو رائ استاذنا حسين خوجلي والذي كان يشجعني بأنه مدرسة خاصة . لكن الأستاذ محجوب كان يرى أبعد من الاسم… كان يرى ما وراء الكلمات.
وجاء التحول… حين هدأت فوضى الحروف، واستقامت الفكرة، وتحرر النص من قيوده القديمة،تعدد الموضوعات ليولد “مرفأ الكلمات”… عنوانٌ يشبه الرحلة، ويليق بمحطة الوصول. تحت نسق وموضوع واحد
أرسلت له العمود باسمه الجديد، فجاءني رده الذي لا يزال يسكنني وحتى الممات :
“قد قوى عودك، واشتد ساعدك، ونضجت كلماتك… إلى الأمام.”
تلك لم تكن جملة عابرة… كانت شهادة ميلاد جديدة. كلماتٌ اختصرت طريقاً طويلاً من التعب، ومنحتني يقيناً بأنني أسير في الاتجاه الصحيح. ومنها ، أدركت أن أعظم ما يمكن أن يمنحه الأستاذ لتلميذه… هو أن يؤمن به.
ولو كان لي أن أرد عليه اليوم، لقلت:
أنت من أمسكت بيدي في زحام البدايات، وأعدت ترتيب فوضاي، وعلّمتني أن الكلمة مسؤولية قبل أن تكون حرفة. منك تعلمت أن العمود ليس مساحة للكتابة فقط… بل موقف، ووعي، وضمير.
ولا أنسى تلك اللحظات التي جمعتني بأبناء مدني، ونحن نستعيد سيرتك، ونتداول ذكرياتك، بين سعادة اللواء عبدالغفار علي حمد، والأخ عزالدين كوجاك، حيث كان حضورك في الحديث لا يقل بهاءً عن حضورك في الواقع. مدني التي أحببتها… وأحبتك، كانت دائماً شاهدة على بصمتك.
هكذا هم الكبار… لا يرحلون من الذاكرة، لأنهم ببساطة صاروا جزءاً منها.
وهكذا أنت يا أستاذي… جسرٌ من وجدان، وعبارةٌ من قلب، ومرفأٌ لا تغادره الكلمات.

تم نسخ الرابط بنجاح!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى