تكريم مؤسسة الجودة التعليمية… تكريم لكل مؤسسات السودان التعليمية

مرفأ الكلمات
عثمان عولي
حين يُكرَّم صرحٌ تعليمي في زمنٍ مضطرب، فإن التكريم لا يذهب إلى جدران المؤسسة وحدها، بل إلى الفكرة التي وقفت خلفها، وإلى الإرادة التي أصرت أن يبقى التعليم قائماً حتى في أحلك الظروف. هذا ما شعرت به وأنا أتابع وأحضر الأمسية الرمضانية التي نظمتها مؤسسة الجودة التعليمية بالقاهرة تحت عنوان «ليلة شكراً مصر».
هذه المؤسسة التي عرفناها منذ تأسيسها في الخرطوم، ظلت تقدم نموذجاً مختلفاً في العمل التعليمي؛ مؤسسة تطورت بهدوء وثبات حتى أصبحت واحدة من العلامات المضيئة في التعليم السوداني. لكن التحدي الحقيقي ظهر مع اندلاع الحرب، حين أصبح التعليم نفسه مهدداً بالانقطاع. هنا ظهرت قيمة المؤسسات التي تؤمن بأن التعليم ليس ترفاً، بل هو خط الدفاع الأول عن مستقبل الأوطان.
في تلك اللحظة الصعبة، كانت مؤسسة الجودة التعليمية واحدة من الأعمدة التي ساعدت على استمرار التعليم السوداني في مصر. استطاعت أن تمتص جانباً كبيراً من قلق الأسر السودانية التي وجدت في القاهرة ملاذاً مؤقتاً، فكان همّها الأكبر ألا ينقطع أبناؤها عن مقاعد الدراسة وألا يصبحوا ضحايا للحرب مرتين؛ مرة بالنزوح ومرة بفقدان التعليم.
واليوم، وبعد أن أدت دورها في حماية المسار التعليمي، ها هي تنتقل إلى مرحلة جديدة؛ مرحلة رد الجميل. فجاءت مبادرة «شكراً مصر» تعبيراً عن الامتنان لجمهورية مصر العربية، شعباً وحكومة، على وقفتها إلى جانب السودان في محنته. وهي رسالة وفاء قبل أن تكون احتفالاً.
ما لفت نظري في تلك الأمسية أن الحديث لم يكن عن الماضي فقط، بل عن المستقبل. فالمبادرة التي أطلقتها المؤسسة تنطلق من فكرة عودة المؤسسات التعليمية إلى السودان، والخرطوم على وجه الخصوص، لتكون جزءاً من مشروع الإعمار الكبير الذي ينتظر البلاد.
لقد جلس على منصة الاحتفالية قادة في الإعلام والاقتصاد والأمن والشرطة، في مشهد يعكس رسالة واضحة: أن السودان، رغم الجراح، بدأ يستعيد عافيته. فالأرض التي هدأت فيها أصوات الحرب بدأت تستعد لعودة الحياة؛ الزراعة تدير عجلاتها من جديد، والصناعة تستعد للنهوض، والتنمية تبحث عن مساراتها، فيما يتحرك قطار التطور ببطء لكنه بثبات.
ومن أكثر اللحظات صدقاً في تلك الليلة شهادة الإعلامي المصري أحمد عبادة، الذي أدار الندوة، حين قال إن الحرب – رغم قسوتها – كشفت للمجتمع المصري جانباً عميقاً من ثقافة السودان وحضارته وفنه. فالسودانيون الذين قدموا إلى مصر لم يكونوا مجرد ضيوف اضطروا للرحيل من وطنهم، بل كانوا سفراء شعبيين قدموا صورة حقيقية عن شعبهم.
وتلك شهادة لها دلالتها؛ لأن الشعوب لا تُعرف في أوقات الرخاء فقط، بل في أوقات الشدة أيضاً.
الأمسية نفسها حملت رسالة أخرى حين تم تكريم مؤسسة الجودة التعليمية ومؤسسها الدكتور عبدالله البدوي من قبل المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، في تقدير لدورها في الحفاظ على استمرارية التعليم في زمن الحرب. وهو تكريم، في تقديري، لا يخص هذه المؤسسة وحدها، بل يمثل تقديراً لكل المؤسسات التعليمية السودانية التي واصلت أداء رسالتها رغم العواصف.
لقد أدرك الجميع في تلك الليلة حقيقة بسيطة لكنها عميقة: أن التعليم ليس مجرد فصول دراسية، بل هو أساس الإعمار الحقيقي. فالدول التي تخرج من الحروب لا تبنى بالحجارة فقط، بل بالعقول التي تعلمت، وبالأجيال التي لم تنقطع عن المعرفة.
ومن هنا يمكن القول إن مؤسسة الجودة التعليمية قدمت نموذجاً لافتاً؛ فقد كانت رائدة في زمن الحرب، وهي اليوم تسعى لتكون من أوائل العائدين إلى الوطن في زمن الإعمار.
والسودان، كما قال أحد المتحدثين، يملك من الأرض والمياه والثروات ما يجعله قادراً على النهوض من جديد. لكن الثروة الأكبر تظل في إنسانه، في إرادته التي لم تنكسر، وفي عزيمته التي اعتادت أن تحوّل المحن إلى بدايات جديدة.
ولهذا فإن تكريم مؤسسة الجودة التعليمية هو في جوهره تكريم لفكرة الصمود نفسها…
وتحية لكل من آمن بأن التعليم يمكن أن يكون أول خطوة في طريق عودة الوطن.




