مقالات

قرارات رئيس مجلس الوزراء… بين ضرورات الدولة وأسئلة الشارع

مرفأ الكلمات
عثمان عولي
في كل مرحلة انتقالية تمر بها الدول، تصبح القرارات السياسية محل قراءة دقيقة، ليس فقط من قبل المراقبين والمحللين، بل من الشارع أيضاً الذي يتأثر مباشرة بنتائج تلك القرارات. وفي السودان اليوم، تدور في أذهان كثير من المواطنين تساؤلات حول القرارات الأخيرة التي أصدرها رئيس مجلس الوزراء الدكتور كامل إدريس، وما إذا كانت هذه القرارات نابعة من رؤية إدارية خالصة لإعادة ترتيب مؤسسات الدولة، أم أنها جاءت في سياق توازنات وضغوط داخل مراكز صناعة القرار.
السؤال الذي يتردد في المجالس والمنتديات السياسية: ما الذي يقف خلف هذه القرارات؟ هل هي مجرد ترتيبات إدارية طبيعية تفرضها متطلبات المرحلة، أم أن وراءها صراع نفوذ بين مراكز قوى داخل مؤسسات الدولة؟
اللافت أن بعض الإعفاءات أو التغييرات التي طالت عدداً من المسؤولين جاءت في توقيت حساس، الأمر الذي فتح باب التكهنات واسعاً أمام المراقبين. فهناك من يربط هذه الخطوات بما يقال عن تباينات في الرؤى بين مجلس الوزراء وبعض اللجان أو المراكز المؤثرة في إدارة المشهد، وعلى رأسها لجنة الفريق إبراهيم جابر، إضافة إلى ما أثير حول أدوار بعض الشخصيات داخل دوائر صنع القرار.
وفي هذا السياق برز اسم السفير بدرالدين الجعيفري، مستشار رئيس مجلس الوزراء، إلى جانب ما تداولته بعض الأوساط حول مواقف أو تقديرات مرتبطة بترتيبات زيارة القاهرة الأخيرة، وهي زيارة قرأها البعض باعتبارها محطة مهمة في مسار العلاقات السياسية والدبلوماسية، وربما انعكست أصداؤها على طبيعة بعض القرارات اللاحقة.
كما أن الأحاديث لم تخلُ من الإشارة إلى أسماء أخرى في المشهد، مثل لمياء عبدالغفار، التي طُرحت في سياق التحليلات المتعلقة بتقاطعات العمل السياسي ، وكذلك المستشار الصحفي محمد عبدالقادر، الذي ظل حضوره الإعلامي جزءاً من المشهد التفسيري لما يجري داخل دوائر الحكومةوقد تكون مرتبطة بنشر الصور التي تحدثت عن مصالحات الفنانين ، خاصة في ظل كثافة النقاشات حول طبيعة المرحلة وتعقيداتها.
غير أن قراءة المشهد بعقل بارد تقتضي التمييز بين التحليل الموضوعي وبين ما تفرضه طبيعة المرحلة من شائعات وتفسيرات متعجلة. فالدول التي تمر بظروف استثنائية – كما هو حال السودان – غالباً ما تشهد إعادة ترتيب داخل مؤسساتها، وهو أمر قد يُفسَّر أحياناً على أنه صراع، بينما يكون في جوهره محاولة لضبط الإيقاع الإداري والسياسي وتوحيد مراكز القرار.
لكن في المقابل، يبقى حق الشارع السوداني مشروعاً في معرفة الدوافع الحقيقية لأي قرارات تمس مؤسسات الدولة. فالشفافية اليوم لم تعد ترفاً سياسياً، بل أصبحت ضرورة لبناء الثقة بين الحكومة والمواطن، خصوصاً في ظل الظروف المعقدة التي تمر بها البلاد.
السودانيون لا يبحثون عن إثارة الجدل بقدر ما يبحثون عن الوضوح. يريدون أن يفهموا إلى أين تتجه بوصلة القرار، وما إذا كانت هذه القرارات تمثل بداية لمرحلة إصلاح إداري وسياسي حقيقي، أم أنها مجرد حلقة أخرى في سلسلة التجاذبات التي أنهكت الدولة.
وفي تقديري، فإن أفضل ما يمكن أن تفعله الحكومة في مثل هذه اللحظات هو أن تفتح أبواب التوضيح للرأي العام، لأن وضوح الرؤية هو أول الطريق لاستعادة الثقة، ولأن السودان اليوم أحوج ما يكون إلى وحدة القرار لا إلى تضارب مراكزه.
فالمرحلة ليست مرحلة صراع نفوذ، بل مرحلة إنقاذ وطن.

تم نسخ الرابط بنجاح!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى