مقالات

إسناد الخير في زمن المحن

مرفأ الكلمات
عثمان عولي

في الأزمنة الصعبة تُختبر معادن الناس، ويظهر الفرق بين من يكتفي بالمشاهدة ومن يمد يده بالفعل. وفي رمضان، حيث تتجدد معاني الرحمة والتكافل، تتجلى هذه القيم في صور عملية تعيد إلى المجتمع شيئاً من توازنه الإنساني.
ما قامت به جمعية إسناد لدعم المتضررين بالحروب والكوارث ليس مجرد نشاط خيري عابر، بل هو رسالة واضحة بأن المجتمع السوداني، أينما كان، ما زال قادراً على الوقوف مع نفسه في أصعب الظروف. توزيع 2700 سلة غذائية على الأسر المتضررة والمحتاجة لم يكن رقماً عادياً، بل كان دعماً حقيقياً لموائد رمضانية أثقلتها الأوضاع المعيشية القاسية.
هذه السلال التي احتوت على المواد الغذائية الأساسية لم تكن مجرد طعام، بل كانت رسالة تضامن تقول لكل أسرة متضررة إن هناك من يفكر فيها ويعمل من أجلها. فالعمل الإنساني حين يدار بعقل منظم وقلب حاضر يصبح أكثر تأثيراً وأعمق أثراً.
اللافت في التجربة أن التنفيذ لم يكن عملاً عشوائياً، بل جرى بإشراف اللجنة الاجتماعية في الجمعية عبر شبكة من المشرفين والمتطوعين الذين انتشروا في مناطق فيصل وأرض اللواء وبدر ومدينة نصر و6 أكتوبر. هذا الانتشار الميداني يعكس جهداً منظماً هدفه أن يصل الدعم إلى مستحقيه بسهولة وكرامة.
ولأن العمل الإنساني الناجح يقوم على الاستمرارية لا اللحظة، فقد واصلت الجمعية جهودها خلال الشهر الفضيل، حيث وزعت 873 سلة غذائية ضمن الدفعة الثالثة من برنامج المساعدات، ليصل إجمالي ما تم توزيعه إلى 4573 سلة غذائية حتى الآن. أرقام تبدو صامتة على الورق، لكنها في الواقع تعني آلاف الموائد التي وجدت ما يسندها في رمضان.
ومن المؤشرات الإيجابية في هذا العمل إدخال نظام COPO الإلكتروني للمرة الأولى، بالتعاون مع بنك الطعام، حيث يتم إرسال كود الاستلام مباشرة للمستفيد، ولا يتم التسليم إلا بوجوده وهاتفه أمام النظام. خطوة تعكس توجهاً نحو مزيد من الشفافية والتنظيم في إدارة العمل الخيري، وتؤكد أن العطاء حين يقترن بالتقنية يصبح أكثر دقة وعدالة.
وفي مثل هذه المبادرات لا بد من الإشارة إلى الجهود التي تقف خلفها. فالأستاذة أميرة الفاضل، رئيسة مجلس إدارة الجمعية، ومعها السفير كمال حسن علي، إضافة إلى فريق العاملين والمتطوعين، قدموا نموذجاً لما يمكن أن ينجزه العمل الجماعي حين يجتمع فيه الإخلاص مع التنظيم.
السودانيون اليوم يعيشون واحدة من أصعب فترات تاريخهم الحديث، لكن وسط هذا المشهد القاسي يظل الأمل حاضراً في مثل هذه المبادرات التي تعيد تذكيرنا بأن الخير لا يزال حياً بين الناس.
فالبلاد التي ينهض أبناؤها لمساندة بعضهم في أوقات المحن، قادرة بلا شك على أن تنهض من جديد… وأن تعود يوماً أكثر قوة واستقراراً.

تم نسخ الرابط بنجاح!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى