مقالات

سفير السودان في القاهرة… وأسئلة الصحفي همام الفاتح المشروعة

مرفأ الكلمات
عثمان عولي

أثار انتباهي ما طرحه الصحفي الشاب همام الفاتح من أسئلة موجّهة إلى سفير السودان بالقاهرة، وهي أسئلة في تقديري مشروعة في أصلها، لأن طرح الأسئلة هو جوهر العمل الصحفي، ووسيلته الطبيعية للوصول إلى الحقيقة وتوضيح الصورة أمام الرأي العام.
وقبل المضي في هذا الحديث، أجد من الضروري التأكيد أن ما أكتبه هنا لا يأتي في مقام الرد نيابةً عن سعادة السفير، فليس لدي أي صفة رسمية تخوّلني الحديث باسم السفارة أو الدفاع عنها. إنما أكتب بصفتي متابعًا ومهتمًا، وبحكم وجودي شبه الدائم في مقر السفارة وملاحظتي لما يجري داخلها من أنشطة وخدمات.
الأسئلة التي طرحها همام الفاتح جاءت مباشرة وواضحة، ويمكن تلخيصها في جملة من القضايا المهمة، من بينها: ما الذي قُدِّم للسودانيين في مصر منذ تولي السفير مهامه؟ وما حقيقة ما يُثار حول تدخل بعض المقربين منه في شؤون السفارة؟ وما ملابسات شراء مبنى السفارة الحالي في منطقة التجمع الخامس؟ وهل توجد إحصاءات دقيقة عن السودانيين في مصر؟ وما جدوى الورش واللقاءات التي تُقام من حين إلى آخر؟ إلى جانب قضايا السجون والسماسرة وعلاقة السفارة بالجالية السودانية، فضلاً عن دورها في ملف إعادة الإعمار.
وهي، كما نرى، أسئلة تتناول ملفات حقيقية تهم قطاعًا واسعًا من السودانيين المقيمين في مصر، ولذلك فإن مجرد طرحها لا ينبغي أن يُفهم باعتباره استهدافًا لشخص السفير، بقدر ما هو تعبير عن حق مشروع للصحافة في السؤال والمتابعة.
ومن زاوية معرفتي المحدودة ببعض هذه الملفات، يمكن القول إن سفارة السودان بالقاهرة شهدت خلال الفترة الماضية نشاطًا ملحوظًا في عدد من الجوانب، لا سيما ما يتعلق بملف إعادة الإعمار. فقد عُقدت عدة ورش ولقاءات جمعت خبراء ورجال أعمال ومهتمين بالشأن الاقتصادي، في القاهرة وبورتسودان، وطرحت خلالها أفكار ورؤى تتعلق بمستقبل الاقتصاد السوداني ومرحلة ما بعد الحرب، وتم رفع هذه المخرجات إلى القيادة السياسية العليا لتكون أساسًا لخطط التنفيذ في المراحل المقبلة.
قد يختلف البعض حول جدوى هذه الورش، أو حول حجم العائد المباشر منها، لكن من الإنصاف القول إنها وضعت على الأقل ملامح أولية لرؤية اقتصادية يمكن البناء عليها لاحقًا في مرحلة إعادة الإعمار.
أما فيما يتعلق بظاهرة السماسرة وتجار الأزمات الذين يستغلون معاناة السودانيين في مصر، فهي بالفعل قضية مؤرقة، ولا تزال تحتاج إلى آليات أكثر وضوحًا وحزمًا لمواجهتها. وأعتقد أن معالجة هذه الظاهرة لا ينبغي أن تكون عبر اللجوء إلى الشرطة المصرية لملاحقة سودانيين داخل مجتمعهم، فذلك أمر لا يبدو مقبولًا اجتماعيًا، لكن تطوير الإجراءات داخل السفارة، إلى جانب الانتقال إلى المبنى الجديد وتنظيم العمل بصورة أفضل، بدأ بالفعل يحدّ من هذه الظواهر إلى حد ما، وفق ما نلاحظه في الواقع.
تبقى بقية الأسئلة التي طرحها همام الفاتح أسئلة تستحق الإجابة المباشرة من سعادة السفير نفسه، وأعتقد أن وضعها على طاولته أمر طبيعي في سياق الحوار المفتوح بين الدبلوماسية والإعلام. ومن خلال معرفتي به، أظن أن سعة صدره وخبرته الطويلة في العمل العام تجعله قادرًا على التعامل مع هذه الأسئلة بروح شفافة، خاصة وأن أبوابه ظلت مفتوحة أمام الصحفيين والإعلاميين.
وفي ختام هذا المقال، أقول كلمة إنصاف: إن ما قُدم من خدمات للسودانيين في القاهرة خلال الفترة الماضية لا يمكن تجاهله، سواء عبر المستشارية الطبية، أو إدارة الجوازات والسجل المدني، أو الخدمات القنصلية، إلى جانب جهود المستشارية الثقافية والتعليم وإدارة شؤون الرعايا. وكل ذلك ارتبط بشكل واضح بإنجاز مهم تمثل في المبنى الجديد للسفارة، والذي كان تحديًا كبيرًا في حد ذاته، لكنه أصبح اليوم منصة تقدم من خلالها هذه الخدمات بصورة أفضل.
قد تبقى الأسئلة، وقد تتعدد الآراء، لكن الحقيقة الأهم أن الحوار الصريح بين الصحافة والمؤسسات هو الطريق الأقصر لتصحيح المسار وتعزيز الثقة، وهو ما نأمله دائمًا في كل ما يتعلق بشؤون السودان وأهله أينما كانوا.

تم نسخ الرابط بنجاح!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى