مفتي الجمهورية في جامعة القاهرة: دار الإفتاء توظف أدوات العصر ومنصات التواصل الاجتماعي لمواجهة الشبهات وتصحيح المفاهيم

أمير أبورفاعي
ألقى فضيلة أ.د. نظير محمد عياد، مفتي الجمهورية رئيس الأمانة العامة لدُور وهيئات الإفتاء في العالم، اليوم الثلاثاء محاضرة بجامعة القاهرة، بعنوان “فضائل الشهر الكريم” ، وذلك ضمن فعاليات الموسم الثقافي للجامعة، بحضور الأستاذ الدكتور محمد سامي عبد الصادق رئيس جامعة القاهرة، ونوَّاب رئيس الجامعة، وعدد من قيادات الجامعة وأساتذتها، وحشد كبير من طلبة جامعة القاهرة من مختلف الكليات.
استهلَّ فضيلة مفتي الجمهورية محاضرته بذِكر فضائل شهر رمضان التي لا ترتبط بزمنه فقط، بل يمكن أن يكون الشهر الفضيل منطلقًا لبناء الإنسان وتعزيز الإيجابية والعطاء في حياة الأفراد والمجتمعات، موضحًا أن فضائل الشهر الكريم يمكن تناولها من خلال أربعة محاور رئيسية، القرآن الكريم، والأحداث التاريخية التي وقعت في رمضان، وما يُحدثه الصيام في نفس الإنسان، ثم أثر هذا الشهر في المجتمع. فأوضح فضيلته أن المحور الأول يتعلق بالقرآن الكريم الذي نزل في هذا الشهر المبارك، مؤكدًا أن الإيمان الحقيقي يقتضي التصديق التام والتسليم الكامل بما جاء عن الله ورسوله، مشيرًا إلى أن القرآن الكريم هو كلام الله المنزَّل على النبي محمد صلى الله عليه وسلم بواسطة جبريل عليه السلام، المتعبد بتلاوته، المعجز بلفظه ومعناه، والمحفوظ بين دفتي المصحف من سورة الفاتحة إلى سورة الناس. وشدَّد فضيلة المفتي على أن رمضان يرسخ في النفوس تعظيم القرآن والإيمان بربانيته وحجيته وخلوده، ويرد على كل المحاولات التي تسعى إلى الانتقاص من قدره أو التشكيك في صلاحيته لكل زمان ومكان، موضحًا أن القرآن معجزة خالدة بخلاف المعجزات المادية التي ارتبطت بالأنبياء السابقين وانتهت بوفاتهم، بينما ظل القرآن باقيًا إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
وانتقل فضيلته إلى المحور الثاني المتعلِّق بالأحداث التاريخية التي وقعت في شهر رمضان، مثل غزوة بدر وفتح مكة، وما تحقق فيه من انتصارات تاريخية، ومنها أيضًا انتصار العاشر من رمضان عام 1973، مؤكدًا أن هذه الأحداث لا ينبغي أن تُفهم على أنها مجرد سرد تاريخي، وإنما هي دروس وعِبر تعزز الوعي وتدفع الأمم إلى مراجعة الذات والاستفادة من التجارب، مشيرًا إلى أن من أبرز الدروس المستفادة من تلك الأحداث سُنَّة المراجعة بعد الأزمات والانكسارات، مؤكدًا أن الأمم القوية هي التي تحسن قراءة تجاربها وتتعلم من أخطائها وتسعى إلى البناء من جديد، مستشهدًا بقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [الرعد: 11]، في تأكيد على أهمية بناء الإرادة وتحطيم الصور الذهنية السلبية التي قد تفرضها الدعاية الإعلامية المعادية، فالإيمان الحقيقي يولد العزيمة والثبات ويجعل الإنسان قادرًا على تجاوز الصعوبات.
وأوضح فضيلته أن التخطيط العلمي والأخذ بالأسباب يمثلان أساس النجاح والتقدم، مشيرًا إلى أن الانتصارات الكبرى لم تتحقق مصادفة أو ارتجالًا، وإنما جاءت نتيجة إعداد وتخطيط دقيقين، مستشهدًا بقوله تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ} [الأنفال: 60]، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «اعقلها وتوكل». كما أكد أن وَحدة الصف والتلاحم المجتمعي يمثلان ركيزة أساسية لتحقيق النصر والتقدم، وأن التنازع يبدد الطاقات ويضعف المجتمعات، بينما يعزز التعاون والاعتصام بالقيم المشتركة قوة الأمة واستقرارها.
وفي المحور الثالث للمحاضرة تناول فضيلة المفتي الأثر الروحي والتربوي للصيام، موضحًا أن الثمرة الحقيقية لهذه العبادة هي تحقيق التقوى، والتي تعني إقامة حاجز بين الإنسان وبين ما حرم الله، مشيرًا إلى أن الصيام ينمي في النفس الرقابة الذاتية وإحياء الضمير والشعور بالمسؤولية، خاصة أنه عبادة خفية بين العبد وربه، لا يطلع عليها أحد، وذلك أن الصيام يعيد إحياء القلوب ويغرس في الإنسان القدرة على مقاومة الشهوات والانحرافات، خصوصًا في عصر تتعدد فيه المؤثرات الإعلامية والتكنولوجية التي قد تروِّج للرذيلة أو تُبررها، في حين أن رمضان يوقظ في الإنسان مَلكة النقد الذاتي والخشية من الله ومحاسبة النفس.
أما المحور الرابع فتناول فيه فضيلة المفتي الأثر المجتمعي لشهر رمضان، مشيرًا إلى أن هذا الشهر يعزز قيم التكافل والتراحم والتعاون بين الناس، من خلال التنافس في أعمال الخير، وإدخال السرور على الآخرين، وتفريج الكربات، وستر العيوب، مؤكدًا أن المجتمع الذي تسوده هذه القيم يصبح مجتمعًا يسعى إلى الفضيلة ويبتعد عن مظاهر السخرية والتنمر والغش والخيانة.
واختتم فضيلة المفتي المحاضرة بالتأكيد على أن شهر رمضان يقدم نموذجًا لمجتمع تسوده القيم الأخلاقية واحترام الآخرين، حيث يقل فيه الاعتداء اللفظي والسلوكي، ويزداد فيه الإحساس بالمسؤولية الجماعية، وهذه القيم ينبغي أن تستمر طوال العام لا أن تقتصر على الشهر الكريم. وأوضح فضيلته أن تحقيق النصر والتقدم يتطلب حسن التخطيط، والأخذ بالأسباب، وقراءة تجارب الأمم، والصدق مع النفس، والعمل على الجمع بين متطلبات الدين والدنيا، مؤكدًا أن دار الإفتاء المصرية تبذل جهودًا كبيرة في مواجهة الشبهات عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي الخاصة بها، حيث يبلغ عدد متابعيها ٦ ملايين متابع، كما لديها مراكز متخصصة لمواجهة الشبهات والفكر المتطرف مثل وحدة حوار، ومركز سلام والمؤشر العالمي للفتوى، ومركز الإرشاد الأسري.
هذا، وقد عقَّب على الندوة المستشار الإعلامي لجامعة القاهرة الأستاذ الدكتور محمد منصور هيبة، مؤكدًا أن محاضرة فضيلة مفتي الجمهورية حملت رسائل مهمة حول ضرورة مراجعة النفس وتعزيز قيم العطاء والتكافل والتخطيط العلمي في بناء المجتمعات، مشيرًا إلى أن العلم والدين يتكاملان في تحقيق عمارة الأرض وخدمة الإنسان.
من جهته، أعرب الأستاذ الدكتور محمد سامي عبد الصادق، رئيس جامعة القاهرةعن تقديره لفضيلة مفتي الجمهورية على المحاضرة القيمة التي قدمها، مؤكدًا أنها أسهمت في تعزيز وعي الطلاب بالقيم الدينية والإنسانية التي يحملها شهر رمضان، مشيدًا بالحضور الكبير من أعضاء هيئة التدريس والطلاب. كما أهدى رئيسُ الجامعة فضيلةَ المفتي نسخةً من المصحف الشريف ومجموعة من إصداراتها العلمية؛ تقديرًا لجهوده العلمية والدعوية.




