شلب حسابات

مرفأ الكلمات
عثمان عولي
كلمة “شلب” في قاموسنا الشعبي مرتبطة غالباً بحكايات النساء، فلانة شلبت فلانة، وخطفت منها خطيباً أو حبيباً، ومعها تنسج النكات وتُغنّى الأغنيات. لكن دعونا نترك هذا المعنى الخفيف جانباً، ونتحدث عن “شلب” من نوع آخر… شلب الحسابات.
ما يحدث اليوم في فضاء التواصل الاجتماعي لم يعد مجرد اختراق عابر، بل أصبح صناعة قائمة بذاتها؛ تهكير حسابات، انتحال شخصيات، رسائل استغاثة كاذبة، أرقام حسابات تُرسل في توقيت مدروس، وصياغة عاطفية تستدر التعاطف قبل التفكير.
قبل أيام، وصلتني رسالة من الصديق العزيز، القائد ابوجبل الكشفي المعروف، رجل عُرف عنه أنه من يعطي ولا يطلب. رسالته قصيرة وموجعة: يحتاج مبلغاً من المال لظرف صحي طارئ. الأمر لم يكن مقنعاً. الرجل الذي اعتاد أن يكون عوناً للناس، فجأة يطلب العون عبر رسالة مقتضبة؟
اتصلت به. جاءني رد بأن حالته الصحية لا تسمح بالكلام، وأن الطبيب منعه من استخدام الهاتف. هنا بدأت علامات الاستفهام تتكاثر. في أبجديات العمل الصحفي، الشك المهني ليس سوء ظن، بل وسيلة حماية.
سألته عن القائد سلام عثمان قائد كشفي رحل قبل فترة قصيرة، فأتاني الرد بأنه بخير. سألته عن حضور عزاء أحد القائد علاءسعيد متعه الله بالصحه والعافيه وامدالله في ايامه فاجاب بانه لم يستطع الذهاب للعزاء بسبب المرض ، وعن لقاء القائد عصام كامل الخضر له الرحمة والمغفرة يعلم الجميع أنه انتقل إلى رحمة الله، فجاءتني إجابات مطمئنة وكأن الموت لم يمر من يمر عليه أصلاً. عندها تأكدت أن الحساب قد “شُلب”، وأن خلف الشاشة شخص لا يعرف تاريخ الرجل ولا دائرته ولا تفاصيل حياته.
المؤلم في الأمر ليس محاولة الاحتيال بحد ذاتها، بل أثرها التراكمي. كثرة هذه الحيل جعلت الناس يشكون في كل استغاثة، ويترددون أمام كل طلب مساعدة. وهنا تكمن الكارثة: أن يفقد المجتمع ثقته في بعضه.
أتذكر حكاية الأعرابي الذي وجد رجلاً تائهاً في الصحراء، فحمله على ناقته، وما إن تمكّن الرجل حتى استولى على الناقة وهرب. لم يلعنه الأعرابي، بل ناداه قائلاً: لا تخبر الناس بما فعلت، حتى لا تضيع المروءة بينهم. كان يخشى على قيمة الشهامة أكثر من خشيته على ناقته.
نحن اليوم أمام الخطر ذاته. حين يكثر الاحتيال، يتراجع التعاطف، ويُتهم الصادق قبل أن يُسمع، ويُغلق الباب في وجه محتاج حقيقي لأن غيره أساء استخدام الثقة.
رسالتي ليست للناس فقط أن يتحروا ويتأكدوا قبل التحويل والدفع، بل هي للمحتالين أنفسهم: كفّوا عن أكل أموال الناس بالباطل. ما بين رسالة احتيال عابرة ولحظة حساب فاصلة، مسافة عمرٍ قصير. قد تنجح خدعة اليوم، لكن ميزان العدالة لا يُخترق، ولا تُهكَر صحائف الأعمال.
الدنيا لحظات، وبين أن تملأ يدك بمالٍ حرام، وأن تقف خفيفاً أمام حسابٍ عسير… خيار واحد يصنع الفارق.
اللهم قد بلّغت، اللهم فاشهد.




