مقالات

الوجه المشرق للشرطة… وجهٌ آخر للأمة السودانية

مرفأ الكلمات
عثمان عولي

من القاهرة، حيث تختلط الغربة بالأمل، ودّعنا الزميل الخلوق محمد الإمام مذيع تلفزيون السودان وهو يستعد للعودة إلى الوطن. لم تكن لحظة سفر عادية، بل كانت لحظة امتلأت بالشوق والحنين والدموع. صوته الذي اعتاد أن يخاطب الناس بثبات عبر الشاشة البلورية، خانه التأثر هذه المرة. اكتفى بأربع كلمات فقط: “أنا في السودان… دخلت الحدود.”
أربع كلمات هزّت القلب. رجل الكلمة، الذي يصوغ عباراته كما تُصاغ القصائد، عجز أمام رهبة اللحظة. ليست رهبة خوف، بل رهبة عودة. العودة إلى الجذور، إلى الأرض التي حاولت فئة مارقة أن تقتلع أبناءها منها قسرًا، لكنها فشلت لأن جذور هذا الشعب أعمق من أن تُقتلع.
قبل أيام من سفره، التقيته وهو يغطي مؤتمرًا صحفيًا بسفارة السودان. همس لي بأنه سيغادر خلال يومين. قلت له: “انتظر قليلاً، لنعد معًا بعد رمضان.” ابتسم بحسم وقال: “رمضان أحلى في السودان.” عندها فقط فهمت أن القرار لم يكن قرار سفر، بل قرار روح تعرف طريقها جيدًا.
العودة إلى الوطن ليست مجرد عبور حدود، بل عبور حالة كاملة من الألم إلى حالة من الطمأنينة. وهنا يبرز الوجه الآخر الذي يستحق أن يُروى. عند معبر أرقين، كان في استقبال العائدين رجال يمثلون الصورة الحقيقية للمؤسسة الأمنية في السودان. رجال من شرطة الولاية الشمالية، من إدارة الجوازات والهجرة، يستقبلون أبناء وطنهم بابتسامة صادقة وكلمة طيبة وكرم يليق بأهل السودان.
نُقل لي أن حرارة الاستقبال هناك أنست العائدين تعب الرحلة ومرارة اللجوء. لم يكن المشهد مجرد إجراءات عبور، بل كان احتضانًا حقيقيًا. المقدم يوسف وهبي وزملاؤه لم يمثلوا أنفسهم فقط، بل جسّدوا معنى الشعار الذي طالما رُدد: العين الساهرة لأمن المواطن. وفي لحظة فارقة كهذه، يتحول الشعار إلى ممارسة، وتتحول المؤسسة إلى حضن.
لسنا هنا بصدد مديح عابر، بل توثيق موقف. في زمن تختلط فيه الصور، تبرز مثل هذه المواقف لتعيد التوازن للرواية. الشرطة، التي قد تُختزل أحيانًا في مشهد رسمي جاف، ظهرت هنا بوجهها الإنساني؛ وجه الأمة حين تتجرد من كل شيء إلا محبتها لأبنائها.
التحية لوزارة الداخلية، للتحية لهيئة الجوازات والهجرة، ولرجال شرطة الولاية الشمالية في معبر أرقين. ما قدموه ليس خدمة عابرة، بل رسالة تقول لكل سوداني: هذا وطنك… وهذه مؤسساته… وهذا حضنك الأول.
في زمن الحرب، تتجلى معادن الرجال. وبعض المواقف لا تحتاج إلى خطب طويلة، يكفي أن ترى دمعة عائد، وابتسامة مستقبِل، لتدرك أن السودان ما زال بخير… وأن خلف العاصفة وجهاً مشرقاً يشبه أهله.

تم نسخ الرابط بنجاح!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى