مقالات

أوقفوا الفساد… رسالة إلى رئيس مجلس السيادة

مرفأ الكلمات
عثمان عولي

في الوقت الذي تنشغل فيه القيادة بمعركة الكرامة واستعادة مؤسسات الدولة، تتسلل إلى المشهد أيادٍ تعبث بمقدرات هذا الشعب. الفساد لا يأتي دائماً صاخباً، أحياناً يتخفّى في قرارات تبدو إدارية، لكنها في جوهرها استنزاف مباشر لمصالح الوطن.
قرأنا أخيراً ما كُتبه دكتور ميرغني محمود عن مبنى الصادر التابع لـ الخطوط الجوية السودانية في مطار الخرطوم. الحديث ليس عن هنقر عادي أو مبنى مهجور، بل عن منشأة توصف بأنها امتداد لتاريخ الناقل الوطني، وأحد أهم أذرعه التشغيلية والاقتصادية.
هذا المرفق يدر دخلاً يقدَّر بنحو 400 ألف دولار يومياً، أي ما يقارب 146 مليون دولار سنوياً. في زمن نبحث فيه عن كل دولار يسند الاقتصاد الوطني، يصبح التفريط في مورد كهذا سؤالاً مشروعاً لا يحتمل المجاملة.
المبنى يضم أكبر ثلاجة صادر في أفريقيا – بشهادة الصندوق الدولي للتنمية الزراعية – إضافة إلى الميزان الوحيد في المطار، وأجهزة أشعة حديثة لفحص اللحوم والخضر والفاكهة والمواد القابلة للتلف. كما يحتوي على حظيرة وارد تُعد الأكبر في السودان، تستوعب حمولة عشر طائرات جامبو B747، ومجهزة بنظام أرفف وسحب آلي متكامل. هذا إلى جانب غرفة المواد الخطرة الوحيدة في البلاد، وغرفة شحن المواد القيمة مثل الذهب. وقد نالت المنشأة شهادة “الإيساقو” من الاتحاد الدولي للنقل الجوي خلال عامي 2021 – 2022.
القيمة التقديرية للمرافق والمعدات لا تقل عن 18 مليون دولار، بخلاف قيمة الجملون وحده التي تُقدّر بـ 2.5 مليون دولار. ورغم ذلك، يلوح في الأفق قرار إزالة فورية، بينما الموقع – بحسب المعلومات المتداولة – بعيد عن نطاق توسعة الصالات، ويقع في شارع أفريقيا.
الأكثر إثارة للحيرة هو الإبقاء على قرية الخرطوم للشحن الجوي المجاورة، رغم أنها لا تقدم ذات الخدمات المتكاملة التي توفرها حظيرة سودانير. هنا تتكاثر علامات الاستفهام:
ما الداعي لإزالة منشأة بهذه القيمة والعائد، في توقيت يستعد فيه مطار الخرطوم لاستعادة نشاطه الطبيعي؟
ما سبب التعجل، وما المصلحة العامة التي تتحقق من ذلك؟
هل تمت الإجراءات وفق القوانين المنظمة للتصرف في الأصول العامة؟
ومن المستفيد من إضعاف ذراع شحن وطني بهذه المواصفات؟
نحن نثق في قيادة الدولة، وعلى رأسها سعادة الفريق أول عبدالفتاح البرهان، في مواجهة الفساد أياً كان موقعه. المعركة ضد التخريب الإداري لا تقل أهمية عن أي معركة أخرى. فالدولة التي تسترد أرضها، لا يليق بها أن تفقد أصولها بأيدي أبنائها.
كما أن وزارة المالية – المالكة لـ 99% من أسهم سودانير – مطالَبة بإيضاح موقفها للرأي العام: هل نحن في ظرف يسمح بالتنازل عن 146 مليون دولار سنوياً؟ أم أن هناك معطيات خفية يجب أن تُعرض بشفافية كاملة؟
من حق الناس أن تعرف.
ومن واجب المسؤول أن يشرح.
ومن حق الوطن أن تُصان مؤسساته لا أن تُفكك.
أوقفوا الفساد… قبل أن يتحول الصمت إلى شراكة.

تم نسخ الرابط بنجاح!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى