مقالات

وداع الماظ

مرفأ الكلمات
عثمان عولي

كنتُ قد كتبتُ عنه من قبل، حين كان في القاهرة ينثر طاقته بين الشباب كما تُنثر البشارات في زمنٍ مثقلٍ بالقلق. واليوم أكتب عنه وهو يعود إلى أرض الوطن، إلى ملتقى النيلين، ليعيش فرحتين معاً: فرحة اللقاء بالأهل، وفرحة الانتصارات التي يخطّها أبناء السودان في ميادين الدفاع عن الأرض والعِرض.
لم يكن حضوره في القاهرة عابراً. كان يحمل معه أخبار الميدان كما هي؛ بلا تهويل، بلا تجميل. ينقل الوقائع بصدق المقاتل لا ببرود المكاتب. يتحدث عن التحديات كما يتحدث عن الأمل، ويضع أمام الشباب صورة واضحة: الطريق شاق، لكن السودان يستحق. كان يؤمن بأن معركة السلاح يعقبها حتماً معركة البناء، وكان يحدّثهم عن دورهم المنتظر في إعمار ما أفسدته الحرب، لا بروح التحريض، بل بروح المسؤولية.
حين ودّع القاهرة، تمنيت – كما تمنى كثيرون – أن تكون سرعة إقلاع الطائرة وهبوطها رمزاً لسرعة عودة الوطن إلى عافيته. تخيلتُ مشهد الهبوط في مطار الخرطوم، لا كرحلة عادية، بل كصفحة جديدة تُفتح في كتاب السودان. وراودني حلمٌ بسيط: أن أكون على الطائرة ذاتها، شاهداً على لحظة عودةٍ طال انتظارها.
الجنرال إبراهيم الماظ، الذي كتبتُ عنه ذات يوم، ليس مجرد اسمٍ عسكري أو لقبٍ ورث مجداً قديماً. هو امتداد لسيرةٍ تعرف معنى التضحية، وحفيدٌ لبطولةٍ محفورة في الذاكرة الوطنية. لكن ما يميّزه اليوم ليس التاريخ وحده، بل حضوره الإنساني وسط الناس، وخصوصاً الشباب. يتحدث إليهم بصدق، يمازحهم أحياناً، ويشدّ على أيديهم كثيراً. كأنه يمنحهم جرعة معنويات كلما ضاقت الدروب.
تعرفتُ إليه في لقاءات متعددة، فوجدته ثابتاً على مبدأ، واضحاً في موقفه، حريصاً على أن تبقى الأخلاق خطاً أحمر لا يُتجاوز، حتى في أقسى لحظات الصراع. كان يوصي الجنود بحسن الخلق، ويحذر من الانسياق وراء سلوكيات لا تشبه معدن السوداني الأصيل. يؤمن أن النصر لا يكتمل إن فقدت المعركة قيمها.
رغم أوجاعه الشخصية، ورغم الفقد الذي مرّ به، ظل واقفاً كما يُعرف عنه: طويل القامة، أطول عزيمة. لا يقدّم نفسه بطلاً، ولا يبحث عن صورة، بل يمضي في طريقه كمن يعرف تماماً لماذا اختار هذا الدرب. أكثر ما كان يردده عبارة أحببتها وعلقت في ذهني:
«بل رأسك وما ينوم».
كلمات بسيطة، لكنها تختصر فلسفة كاملة: اليقظة، الكرامة، والاستعداد الدائم للدفاع عن الحق.
في وداعه، لا أقول سوى إن بعض الرجال حين يغادرون مدينة، يتركون فيها أثراً لا يُمحى. يغادر الجسد، وتبقى الروح حاضرة في الذاكرة، في الحوارات، في الحلم الجماعي بوطنٍ يعود أقوى مما كان.
وداعاً أيها الجنرال…
على أمل أن يكون اللقاء القادم في الخرطوم، والسودان وقد استعاد عافيته، ليبدأ فصل البناء كما حلمتَ به دائماً.

تم نسخ الرابط بنجاح!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى