مقالات

جيشنا يا جيش الهنا

مرفأ الكلمات

عثمان عولي

بين «مناورات الاستنزاف» و«الحرب الخاطفة»حين نتابع تحركات قواتنا المسلحة حول الدلنج وكادقلي، لا نقرأ مشهداً عابراً ولا ردّة فعل آنية، بل نعاين عقلية عسكرية تُدير المعركة بصبرٍ محسوب، وتكتب فصولها على مهل، وفق منطق يعرف متى يستنزف، ومتى يضرب ضربة الخاطف.

الجيش اليوم يمارس ما يمكن وصفه باستراتيجية «حرب الاستنزاف»؛ وتطهيرٌ القرى المحيطة، وقطع خطوط الامداد وحرمانه من النطاقٍ الآمن واستخدام المرتفعات والغطاء النباتي، ويمنعه من تحويل الجغرافيا إلى مدفعٍ مفتوح. هكذا يتحول الحصار من طوقٍ خانق إلى جيوبٍ معزولة، يسهل تفكيكها لاحقاً بلا كلفةٍ عالية.
يتوازى ذلك مع «وضع العدو في جزر معزولة »؛ وتمنعه من استخدام استراتيجيه الفزع التي ينتهجها في حربه ضد القوات المسلحة مناورة لا تكتفي بفك الحصار من الداخل، بل تقطع شرايين الإمداد من الخارج. فيصبح العدو عالقاً بين نيران الحامية داخل المدينة وزخم القوات المتقدمة لتنظيف القرى. هنا لا تُخاض معركة واحدة كبرى، بل تُجزّأ التهديدات، قريةً بعد أخرى، حتى يتآكل الزخم وتنهار الروح المعنوية وتضيع مراكز الارتكاز اللوجستي.
وفي العمق، يظهر بوضوح اعتماد «التطهير العملياتي»؛ عملٌ جراحي يحوّل المناطق الرمادية حول الدلنج وكادقلي إلى مناطق خضراء خاضعة للسيطرة الكاملة. هذه ليست خطوة عسكرية فحسب، بل قرار إنساني أيضاً، يفتح ممرات آمنة دائمة، ويعيد وصل ما انقطع بين المدنيين والدولة.
ديناميكية المناورة الحالية تُجبر قوات الحصار على التشتت والانسحاب نحو عمقٍ دفاعي أقل أمناً، فتفقد ميزة «الحصار الثابت»، وتغدو أهدافاً مكشوفة للاستهداف الجوي والمدفعي المركز. عندها، لا يعود السؤال: هل يُفك الحصار؟ بل: كيف يُستعاد الإيقاع وتُفرض قواعد الاشتباك؟ ونصب الشراك من فوق العدو باصياده من السماء بالطيران والطيران المسير لانهاك واضعاف العدو
نجاح هذه المقاربة لا يُقاس فقط بكسر الطوق، بل باستعادة السيطرة على عقد الطرق الحاكمة، وتثبيت الدلنج وكادقلي كنقاط ارتكاز صلبة في وجه أي محاولة عزلٍ مقبلة. هنا تتجسد السيادة الوطنية في معناها العملي: جيشٌ يعرف أرضه، يفرض توقيته، ويحوّل وعورة الميدان إلى حليف.
جيشنا… يا جيش الهنا.
حين يلتقي الصبر بالعقل، تصبح الحرب طريقاً أقصر نحو السلام.

تم نسخ الرابط بنجاح!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى