تكريم أهل الكرم

مرفأ الكلمات
عثمان عولي
حين يكون التكريم فعلاً صادقاً، لا مناسبة عابرة، فإنه يصبح شهادة أخلاق قبل أن يكون درعاً أو صورة تذكارية. بهذا المعنى، جاء احتفاء مؤسسة أبوذر الكودة التعليمية، وبحضور المستشار الثقافي د. عاصم أحمد حسن، بوداع المستشار الأمني الخلوق محمد فتح الرحمن الحسن أحمد؛ تكريمٌ صادف أهله، وجاء في وقته تماماً.
هذا الرجل لم يكن مجرد مسؤول يؤدي واجبه الوظيفي، بل كان شريكاً حقيقياً في همّ الطلاب واستقرار العملية التعليمية في مصر، خاصة في ظل تأجيل الشهادة السودانية لعامين متتاليين. حمل ملف الامتحانات بجهد مضنٍ ومرهق، ومع ذلك ظل هاشّاً باشّاً، قريباً من الجميع، لا يتوارى خلف المكاتب ولا يتعالى بالمنصب.
من خلال موقعه في السفارة، قدّم خدمات إنسانية جليلة للمواطنين دون انتظار مقابل، ودون أن تجمعه بهم صلة قربى أو مصلحة. أذكره ذات مرة مع رجل مسن وحفيدته التي لا تملك أوراقاً ثبوتية، ووالدها محاصر في السودان بسبب الحرب. لم يكن الموقف سهلاً، لكن طمأن الجد، وسعى بجدية ومسؤولية، وبرفقة غريمه اللدود – كما يحلو للبعض تسميته – العقيد عادل يونس والذي سبقه بمغادرة السفارة بانتهاء مدة عمله بالسفارة . والحقيقة أن الخصومة هنا لا مكان غير تبادل الغفشات الجميلة والابتسامه الأروع ؛ فالاثنان أصحاب قلوب بيضاء، ونوايا صافية وصادقه ، تجمعهم محبة الناس وخدمتهم ومغالبة همومهم وتشفع لهم دنيا وآخرة نواياهم الصادقه . تم استخراج الأوراق اللازمة، وجلست الحفيدة للامتحانات دون أن يُرهق الجد أو يُكسر خاطره.
أما نحن، معشر الصحفيين والإعلاميين، فلنا مع هذا الرجل قصة تقدير خاصة. قدّم لنا تسهيلات كبيرة في إطار عملنا الإعلامي، وكان خير سند، حاضراً بالمسؤولية والاحترام، مدركاً لدور الإعلام دون حساسية أو تضييق.
إذا ذُكرت مكارمُ الناس قيل لهُ
هذا الذي سعى للخيرِ بلا ثمنِ
ومثلما نُكرم الأفراد، لا بد أن نقف احتراماً للمؤسسات الجادة. مؤسسة أبوذر الكودة التعليمية نموذج لمؤسسة عريقة وناجحة، أخذت على عاتقها تكريم أهل الإنجاز والعمل الجليل. وهي بدورها تستحق التكريم، فقد أسهمت في معركة الكرامة من موقعها، عبر استمرار العملية التعليمية للسودانيين في ظل ظروف بالغة القسوة.
لن نُطيل الحديث عن المستشار الخلوق محمد فتح الرحمن الحسن أحمد، فالرجل كتاب ناصع من النجاحات والإنجازات، يصعب حصره في مساحة عمود. يكفيه أنه كان إنساناً قبل أن يكون مسؤولاً، وأن أثره سيبقى، حتى بعد الوداع.




