احترام الضيف للمضيف… ومصر التي في خاطري

مرفأ الكلمات
عثمان عولي
سعدنا بإقامتنا في مصر، بلدٍ استقبلنا شعباً وحكومة بصدقٍ وأريحية. عشنا بين أهلها دون أن نشعر بفوارق تُذكر، وتنعّمنا بكرم ضيافتهم وأصالة معاشرتهم. ومع هذا التقارب الإنساني الكبير، خفَّ ألم الفراق، إذ جمعتنا قواسم مشتركة كثيرة ومحبة متبادلة أزالت حواجزَ ظلت لسنواتٍ طويلة مجرد أوهام.
في الآونة الأخيرة، برزت حملات تنظيم الإقامات للحد من الهجرة غير الشرعية وتقنين الأوضاع وفق قوانين الدولة المضيفة. وهي إجراءات طبيعية تهدف إلى حفظ سيادة الدولة، وترسيخ هيبتها، ومنع الجرائم العابرة للحدود، بما فيها الاتجار بالبشر والهجرة غير النظامية. هذه القوانين ليست موجّهة ضد أحد، بل هي إطارٌ قانوني لحماية الجميع، مواطنين وضيوفاً.
ومن جانبنا، يهمّنا كثيراً الحفاظ على أمن مصر واستقرارها، شعباً ودولة، حتى لو كان السودان آمناً بلا حرب وأهله جميعاً في وطنهم. فأمن مصر من أمن السودان، واستقرارها استقرارٌ لنا، والعكس صحيح. نحن في الأصل جسدٌ واحد، وهمومنا مشتركة، وما يربطنا أكثر بكثير مما قد يفرّقنا.
وفي هذا السياق، جاء صوت الفنانين حسين الصادق وندى القلعة، موجهاً رسالة صادقة إلى أهلنا السودانيين، تدعو لاحترام قوانين الدولة التي لم تقصّر في استقبالنا بكل ودّ وترحاب. وهي رسالة عقلٍ ومحبة، لا تُصادِر حقّ أحد، بل تذكّر بواجبٍ أخلاقي أصيل: احترام الضيف لقوانين مضيفه.
وإن حدثت بعض الملاسنات الفردية هنا أو هناك، فهي لا تتجاوز حدود المثل الشعبي: «مصارين البطن بتتعارك»؛ نسمّيها ملح التعايش، فالإخوة في البيت الواحد قد يختلفون، لكنهم لا يتخاصمون على المحبة ولا يهدمون البيت على رؤوسهم.
غير أنّ المتابع بوعي لمسار العلاقة المصرية السودانية يلحظ وجود تحديات حقيقية، لا تنبع في جوهرها من الشعبين، بقدر ما تقف خلفها أيادٍ خفية، تجد مصلحتها في ضرب هذه العلاقة التاريخية. أيادٍ لا تتورع عن تشويه كل ما تقوم به مصر تجاه السودان، متجاهلة عمداً أدواراً كبيرة ومعلومة في دعم الاقتصاد السوداني، والمساهمة في جهود الإعمار، واستضافة ملايين السودانيين دون ضجيج أو منّة.
ومن المؤسف أن بعض هذه الحملات تُغذّى أحياناً عبر إشاعات مغرضة من الطرفين، أو عبر مقالات وتصريحات لصحفيين وكتّاب كبار، تُطلق أحكاماً خطيرة دون إسناد حقيقي، ولا دليل موثق، ولا قراءة عميقة لتعقيدات الواقع. الكلمة غير المسؤولة لا تجرح فرداً فحسب، بل قد تُسيء لعلاقة شعبين، وتفتح أبواب فتنة لا تخدم إلا أعداء الاستقرار.
من هنا، يصبح واجب العقلاء في البلدين التحذير من الانسياق خلف الشائعات، والتمييز بين النقد المسؤول، والتحريض المبطّن، وبين الرأي المستند إلى معلومات ووقائع. فالعلاقات بين الدول لا تُدار بالعواطف وحدها، ولا تُبنى على منشورات عابرة، بل على وعيٍ تاريخي، ومصالح مشتركة، واحترام متبادل.
في مجمل الصورة، يظل الشعب المصري محباً لإخوته السودانيين، ويبادله السودانيون الشعور ذاته. ومن هذا المنبر، نضم صوتنا إلى صوت العقل، وكل من قدّم نصحاً صادقاً لأهلنا باحترام قوانين الدولة المضيفة، وحماية العلاقة من العبث والتشويه.
شكراً مصر… شعباً وحكومة.




