الحرملك

كتب المحامي / عاطف لبيب النجمي
الحرملك مفهومٌ راسخ في وعي الغالبية من رجال ونساء مصر، لا بوصفه بناءً حجريًا اندثر، بل كفكرةٍ ما زالت حيّة تتحكم في النظرة إلى المرأة ودورها وقيمتها. فكرةٌ تُقدِّس الجسد وتُهمِّش العقل، وتختزل الإنسانة في غشاءٍ بيولوجي بسببه سالت دماء، وقُتِل رجال ونساء، وتكسّرت حيوات كاملة على عتبات وهمٍ اجتماعي.
تاريخيًا، كان الحرملك معقل النساء في قصور الحكّام والأغوات والأثرياء. نساءٌ محاصرات داخل جدران عالية: زوجات، جوارٍ، محظيات. لا يقترب من ذلك العالم المغلق سوى سيد القصر والمخصيّين من الغلمان، في نظامٍ صُمِّم ليضمن السيطرة المطلقة ويُطفئ أي احتمال للاختيار أو الإرادة. كان الجسد مُلكًا، والمرأة جزءًا من متاع السلطة، تُدار حياتها كما تُدار الخزائن.
انتهى الحرملك كبناء، سقطت جدرانه وتلاشت مفرداته من المعمار، لكنه لم ينتهِ من العقول. ما زال حاضرًا في ثقافةٍ ترى المرأة “شرفًا” محمولًا على جسدها لا عقلها، وفي خطابٍ يُراقب سلوكها ويغضّ الطرف عن مسؤولية الرجل، وفي مجتمعٍ يبرّر العنف باسم الفضيلة، ويشرعن القتل باسم الطهر.
الأخطر أن الحرملك لم يَسكن عقول الرجال وحدهم، بل تسلّل أيضًا إلى وعي بعض النساء؛ فصار يُعاد إنتاجه داخل البيوت، وفي التربية، وفي الحكم القاسي على الأخريات. حين تُربَّى الفتاة على الخوف من جسدها، ويُربَّى الفتى على امتلاك أجساد غيره، نكون قد نقلنا الحرملك من القصر إلى الشارع، ومن الأسوار إلى الضمائر.
الحرملك الحديث لا يحتاج إلى خصيان ولا إلى أبوابٍ مُغلقة؛ يكفيه خطابٌ يُقدِّس البكارة، ويُشيطن الاختلاف، ويُفرغ العقل من قيمته. يكفيه صمتٌ اجتماعي عن جرائم تُرتكب باسم العرف، وتواطؤٌ ثقافي مع فكرة أن المرأة مشروع رقابة لا شريك حياة.
تفكيك الحرملك يبدأ بالاعتراف بأن الكرامة الإنسانية لا تُقاس بغشاء، وأن الأخلاق لا تُحرس بالعنف، وأن المجتمع الذي يعبد الجسد ويُهمِّش العقل إنما يحكم على نفسه بالتخلّف. يبدأ بتعليمٍ يساوي بين العقول، وقانونٍ يحمي الحياة، وخطابٍ ديني وثقافي يُعيد الاعتبار للإنسان لا للملكية.
لقد انتهى الحرملك حجرًا، وحان الوقت أن ينتهي فكرةً. فالحرية لا تُهدى، بل تُنتزع من العقول قبل الجدران.




