محمد أبوتليح يكتب .. مصر التي في خاطري.. الجزء (5) مصر على لسان النبي ﷺ

في كتابَةِ التاريخِ أنوارٌ، وفي سِيَرِ الأنبياءِ آثارٌ
وليسَ لأرضٍ بعدَ الحجازِ ما لمصرَ من ذِكرٍ في السنةِ المطهّرة،
ولا لشعبٍ بعدَ العربِ ما لأهل مصر من عهدٍ على لسانِ خيرِ البرية.
فها هو النبيُّ الأمينُ سيدنا محمدٌ ﷺ، يُوصي أمّتَه بمصرَ وأهلها،
– يقولُ عليه الصلاةُ والسلام: «ستُفتَحُ عليكم بعدِي مصرُ، فاستوصُوا بقبطِها خيرًا؛ فإنَّ لكم منهم ذمَّةً ورحما».
ويُكرِّرُ الوصيّةَ مرةً أخرى فيقول: «فإنَّ لكم منهم صِهراً وذمَّة»،
ويُشيرُ إلى نفسِ الأرضِ بقولِه: «ستُفتَحُ عليكم بعدي مدينةٌ يُذكَرُ فيها القيراطُ، فاستوصُوا بأهلِها خيرًا؛ فإنَّ لهم ذمَّةً ورحما».
فهل رأيتَ وصيّةً أبلغَ في الودّ؟!
أم سمعتَ عهدًا في الكرامة مما جعله لمصر وأهلها؟!
إنها مصرُ: ذاتُ الذِّمَّةِ المحفوظة، والرَّحِمِ المتّصلة، في وصية الجناب الأكرم.
ويكملُ النبيُّ ﷺ تسطيرَ فضلِها، فيقول: «إذا فتَحَ اللهُ عليكم مصرَ، فاتَّخذوا بها جُنداً كثيفاً؛ فإنَّ ذلك الجندَ خيرُ أجنادِ الأرض».
فلمّا سأله الصدّيقُ: «لِمَ يا رسولَ الله؟»، أجاب: «لأنَّهم وأزواجَهم في رباطٍ إلى يومِ القيامة».
وما أصدقَ هذا الرِّباط!
فأهلُ مصرَ لا يقاتلونَ دفاعًا عن الرُّبى فحسب،
بل يرابطونَ حِراسةً للدِّين، والشرف والعرض والكرامة، وذودًا عن حياضِ الإسلام،
حتّى قال فيهم: «أهلُ مصرَ في رباطٍ إلى يومِ القيامة».
ووصفَ جُندَها بالجند الغربيَّ وأنَّه في زمنِ الفتن: «خيرُ الناسِ فيها»،
فما أسرعَ أن قال عمرو بن الحمق: «فلذلك قدِمتُ مصرَ».
ويُفصِّلُ الوصيّةَ، ويُبيّنُ فضلَ ترابِها فيقول:«مصرُ أطيبُ الأرضينَ تراباً، وعَجَمُها أكرمُ العجمِ أنساباً».
ويُبيّنُ موضعَها من الخيرِ فيقول: «قسَّمتُ البركةَ عشرةَ أجزاءٍ، فجعَلتُ تسعةً منها في مصرَ، وواحداً في سائرِ الأمصار».
– ومن ضاقَت عليه سُبلُ الرزق، قال له الحبيبُ المصطفى: «مَن أعْياهُ المكاسِبُ، فعليه بمصرَ، وعليه بالجانبِ الغربيِّ».
ومن أرادَ البركةَ في كسبِه، فليذكُرْ أنه حينَ أُتيَ بعسَلِ “بنها”، دعا فيه النبيُّ ﷺ بالبركة.
وحتّى الثوبَ الذي يُنسَجُ في “المعافِر” بمصر،
حينَ لعَنه أبو سفيان، قال له النبيُّ ﷺ: «لا تلعَنْهم؛ فإنَّهم مِنّي، وأنا منهم».
فيال عظيم شرف مصر وأهلها، الذي باح به الجناب المعظم ﷺ ؟!
وأوصى بها وبأهلها، فقال: «أُوصِيكم بأهلِ البلدةِ السوداءِ، السُّحْمِ الجِعادِ؛ فإنَّ لهم ذمَّةً ورحماً».
ويُكَرِّرُ التأكيدَ فيقول: «اللهَ اللهَ في أهلِ المدرةِ السوداءِ – المدرة معناها السيد الشريف سمي بذلك لأَنه يقوى على الأُمور و يَهْجُم عليها ¦¦ المُقَدَّم في اللسان و اليد عند الخصومة و القتال- السُّحْمِ الجِعادِ؛ فإنَّ لهم نسَباً وصِهراً».
ويُحذّرُ من ظلمِهم فيقول: «اتّقوا اللهَ في القِبطِ؛ لا تأكلُوهم أكلَ الخُضَر!».
ويُخبِرُ أنَّهم سيكونونَ عُدّةً للمسلمين، فيقول: «إنّكم ستظهَرونَ عليهم، ويكونونَ لكم عُدّةً».
وقد بيّنَ السببَ في هذه المكانةِ العالية، بالرحم والسنة: فأما الرَّحِمُ فهاجِرُ أمُّ إسماعيلَ –عليه السلام–، وهي من قريةٍ بمصر تُدعى “أم دنين”،
وأما الذِّمَّةُ فماريَةُ القِبطيَّةُ أمُّ إبراهيمَ ابنِ النبيِّ ﷺ، وهي من قريةٍ بمصر تُسمّى “حَفن”.
ولذا قال عبدُ الله بنُ عمرو رضي الله عنهما: «قبطُ مصرَ أخوالُ قريشٍ –مرتين!»،
وقال أيضاً: «أهلُ مصرَ أكرمُ الأعاجمِ كلِّها، وأسْمَحُهم يدًا، وأفضلُهم عنصراً، وأقربُهم رحماً بالعربِ عامةً، وبقريشٍ خاصةً».
ويُزيّنُ النبيُّ ﷺ خريطةَ الأرضِ بمصرَ، فيقول: «مصرُ خزائنُ اللهِ في الأرض»،
ويخصُّ الجيزةَ فيقول: «الجيزةُ غَيضةٌ من غِياضِ الجنة».
ويُكرِّمُ الإسكندريّةَ فيقول: «الإسكندريّةُ إحدى العروسَين».
فيا مصرُ،
أنتِ الأرضُ التي أوصى بها النبيُّ، وأنتِ الشعبُ الذي قال فيهم: «ما كادَهم أحدٌ إلا كفاهُ اللهُ مَؤُونَته».
فاحفظي وصيّةَ الحبيبِ، واحفظي عهدَ السماء،
واجعلي ترابَكِ مصانًا، ونيلَكِ مباركًا، وأبناءَكِ على العهدِ أمناء.
فمصرُ على لسانِ النبيِّ ﷺ، ليست مجرّدَ ترابٍ يُوطَأ، بل هي وصيّةٌ تُؤدّى، وذمّةٌ تُراعى، ورَحِمٌ لا يُقطَع.
فأسألُ اللهَ أن يُحييها على مر الزمان، ويُكرِمَها بالبركة، ويجعلَها دارَ عزٍّ للمؤمنين، وحِصنًا منيعًا للدين.




