مقالات

وسام عبدالمجيد تكتب..ملامح الصراع فى دار فور بين الواقع والمأمول

 

 

وسام عبدالمجيد تكتب..ملامح الصراع فى دار فور بين الواقع والمأمول

  يتجدد صراع دموي يقع بين النزعه القبلية والعرقية ومصالح دولية بآليات داخلية وخارجية؛ إن لهذا الصراع جذور تاريخية منذ السبعينيات من القرن الماضي. في السابق كانت الأحداث لا تتجاوز إشتباكات بين قبائل دار فور وقبائل الرحل القادمين من “عرب الشتات “من دول الجوار منها النيجر وتشاد وغيرها من أبناء الجزيرة العربية. حديثنا عن أقليم دار فور وفي هذا السياق نتناول المحاور التالية :

1- التعرف على جغرافية وتاريخ المنطقة.

2- الأهمية الاقتصادية والسياسية للمنطقة محل القلاقل والصراع.

3- أسباب الصراع- وأثاره. 

المحور الأول : التعرف على جغرافية دار فور وتاريخها

  اشتق اسم “دارفور” من “أرض الفور” وهي قبيلة حكمت المنطقة منذ سبعة عشر قرنًا، ترجع دارفور في حكمها قديماً إلي سلطنة دارفور الإسلامية ؛ والتي كانت أحد المعابر إلي أرض الحجاز, وقام سلطانها بحفر آبار”علي” وهي ميقات أهل المدينة للإحرام قبل أداء الحج أوالعمرة، لتسهيل وتيسير رحلة الحجيج إلى الأراضي المقدسة , وذلك في عام 1898م.   

 كان إقليم دار فور مستقلاً عن السودان, وضم إلي مصر فى عهد “محمد على” والي مصر, كان الهدف من ضمه هو إنهاء حكم سلطنة دار فور.سعت قوات الاحتلال الإنجليزية لضم الاقليم إلي السودان من أجل التخلص من نفوذ السلطنة والهيمنة عليها .انتهت سلطنة دار فور مع مقتل “السلطان علي دينار”، آخر سلاطين دارفور عام 1916م. 

 تعد دارفور موطناً لحوالي 100 قبيلة ويترواح تعداد سكان الإقليم بين 9 و10 ملايين نسمة. أما إذا تحدثنا عن المكون العقائدي ، فينتمي ـأهلها إلى نفس العقيدة. ومن حيث المكون القبلي تعد قبيلة “الفور” من أكبر قبائل هذا الإقليم، وتتمركز شمال الإقليم.كما يضم إقليم دار فور قبائل ذات أصول أفريقية منها: “المساليت”، و”الزغاوة”، و”التاما”. أضف إلى ذلك قبائل الرحل من ذوي الأصول العربية، ومن أهمها: “المحاميد”، و”بني فضل”، و”الزيادية”، و”البقارة” و”الرزيقات ” كانت تعيش درار فور في شكل مجتمعات زراعية تعتمد على الرعي والثروة الحيوانية .

  تبلغ مساحة دارفور 549 ألف كيلومتراً مربعاً, وهذه تعادل مساحة فرنسا .هذا الإقليم متاخم لحدود أربعن من الدول متعددة الثقافات والروافد. ولسكان الإقليم أنشطة تجارية يغلب عليها الزراعة وتربية الأغنام والمواشي, ومؤخراً المعادن والنفط .

 المحور الثاني: أهمية دارفور الاقتصادية 

 تتميز دار فور بثروة معدنية هائلة منها الحديد و كربونات الصوديوم في منطقة شمال دارفور، والنحاس في منطقة” حفرة النحاس” بشرق دارفور. وفضلا ًعما سبق تملك دارفور مخزونًا كبيرًا من اليوارنيوم “بجبل مرة “في وسط دار فور والعديد من مناجم الذهب في كل إقليم دارفور أشهرها منجم جبل عامر بمنطقة “السريف” .

 كما يخرج من دار فور أشهر وأهم صمغ عربي, و تحظى دارفور بثرة حيوانية تتمثل في قطعان من الماشيه والأغنام تمثل حوالي 30 % من إجمالي الثروة الحيوانيه في السودان . 

يعتبر إقليم دارفور من المناطق الغنية بالموارد المائية, وتعتبر الأمطار السنوية من أهم المصادر المائية التي لم تستغل كما يجب . ترتب على وفرة الأمطار أنشطة اقتصادية منها إنتاج الثروة الحيوانية, والتي تراجعت بفعل الأوضاع الحالية من النزاعات .

وحديثاً عن ثروات دارفور نشير أيضا إلى اكتشافات نفطيه واعدة بواسطة إحدى الشركات الألمانية.

  المحور الثالث : أسباب الصراع واثاره ونتائجه

 شهد إقليم دارفور سلسة من الصراعات القبيلة التي امتدت منذ 1932وحتى اليوم, والتي تصل إلي 62 صراعاً؛ كان لهذه النزاعات بالغ الأثر من تداعيات كارثية سواء على الصعيد الأمني والاقتصادي والاجتماعي . 

  انقسم الصراع إلي مرحلتين: 

    المرحلة الأولي : فى البداية كان النزاع قبلي لا يتجاوز نزاعات تخطت الأعراف والتقاليد وكان يحتكم للعادات والأعراف فسرعان ما ينتهي الاشتباك بين الأطراف المتنازعه.

  المرحلة الثانية يمكن تقسيمها إلي عوامل :

  وفي هذا السياق سوف نتعرض إلي الأتي : أسباب الصراع الداخلية والخارجية

      أ – العوامل الداخلية: – مجتمع دار فور ريفي بسيط, يعمل 80 % من أهله بالزراعة والرعي. تكرار الإشتباك بين أفراده أضعف من التعليم،فأكثر من 40 % من أهل دارفور لم يذهبوا لتلقي التعليم خوفاً من الاختطاف أوالتعرض للاعتداء من جماعات الدعم السريع .

– النزاعات القبليه غيبت التعليم بكافة أشكاله. ومن ثم وقع أهالي الأقليم في دائرة من المعرفة الضيقة لم تؤهلهم إلي تطوير العمل بقطاع الزراعة أو الثروة الحيوانية . 

– استخدمت الحركات السياسية الموالية والمتمرده سلاح الإشاعات والأكاذيب مما أصاب المجتمع بفكرة العدائية القتالية والنزاع المسلح . الحياة باتت مرعبة بسبب الخطف والممارسات اللا إنسانية التي تجري على مسرح الإقليم والتي نتج عنها مقتل أكثر من 60 ألفا من الجانبين فى الصراع الأخير .

– يعتبر دارفور من أكثر أقاليم السودان فقراً بل جاء فى المرتبة الأولي, حيث يعاني أكثر من 65 % من سكانه من الفقر فى الخدمات والتعليم والصحة والحرمان من سبل العيش, أضف إلى ذلك الحرمان من الحصول على مياه صالحة, وبات إنشاء بنية تحتيه ضرباً من الخيال أو حلماً بعيد المنال .

– أثر التهميش الحكومي على إقليم دار فور فأصاب المجتمع بإنعدام الثقه فى الحكومة, وأصبح الولاء القبلي والعشائري هو البديل المنطقي عن الولاء لكيان الدولة الني لم تقدم شيئا.

– شهد صراع 2013 أكثر من 30 حركة تمردية انقسمت من ثلاث حركات سابقة كانت تجمعهم حقوق ومطالب واحده وهنا نجد تصاعد حدة الصدام الداخلي . 

– الهشاشة المجتمعيه في دار فور جعلت حركات التمرد تعتقد أن النزاع المسلح يعود بحق التنمية وعدالة التوزيع.

– تعاملت الحكومة في صراع 2013 ضد حركات التمرد الإنفصالية في دار فور بأستقطاب جماعة الجنجويد بقيادة “تاجر جمال” لم يكمل تعليمه ولم يكن خريج المدرسة العسكرية ، ألبسته الحكومة الزى العسكري ومنحته صلاحيات, وذلك بعد احتدام بين قيادة الجيش وبين رأس السلطة.لجأت الدولة إلي جماعة الدعم السريع بقيادة “حمدان دقلو” وشهرته حميدتي. منحته الحكومة رتبة عسكرية. وهنا يتضح فشل الحكومة فى التعامل مع الأزمة أو مد جسور التواصل أوالحوار أو آليات التفاهم والتعرف على أسباب القلاقل تحت مظلة الوطن الواحد والتوازن في التمتع بثروات الوطن.

بكل اسف قفزت أطراف خارجية تسعى إلى اقتناص ثروات الإقليم واستغلت حالة الانقسام والخلل الأمني والتركيبة القبلية. 

 2- العوامل الخارجية :

– أدي الانفلات الأمني والخواء السلطوي لكيان الدولة إلي تسلل جماعات مسلحة وكيانات موالية لجهات خارجية عبر الحدود لصالح أهل المنفعة والمصلحة . وبالفعل تم تجنيد المرتزقة من الداخل والخارج لصالح قوات الدعم السريع . أضحت السودان بؤرة نشطة لتجارة السلاح وانتشر القتل والتجويع والخطف والاعتداء بشتى صوره وأشكاله فى مشهد قاس ودموى. 

  – في 2011 تراجع إنتاج النفط بنسبة كبيرة بلغت 75 % ففقدت السودان ثلثي احتياطاتها من النفط بعد إنفصال الجنوب. تأثرت ميزانية السودان بعجز مالي ضخم, حيث كانت إيرادات النفط صلب الاقتصاد السوداني ، مما جعل الحكومة تبحث عن موارد طبيعية أخرى, وبالفعل تجدد اكتشاف مناجم ذهب في منطقة جبل عامر بإقليم دار فور بغرب السودان. 

 – تتميز مناجم الذهب في جبل عامر بنقاء يصل إلي 90% مما جعل المنطقة محط إهتمام, تواكب ذلك مع اكتشافات النفط الواعدةفي دار فور . كل ذلك دفع بعض البلدان ورجال الأعمال والمرتزقة من الجماعات المسلحة, فضلا إلي التواجد فى دار فور .

– لجأت بعض الدول إلي أقامة شركات استثمارية بوجه مستعار تحت بند الاستثمار الزراعي وإنشاء مشروعات لإعادة إعمار البنية التحتيه من أجل بسط النفوذ على المنطقة .وذلك مثل مشروع” أمطار الزراعي” وهي شركة إمارتيه .

– تواجد على أرض السودان أكثر من 70 شركة للتنقيب عن الذهب والمعادن وهي مملوكة لروسيا وكندا والولايات المتحدة الأمريكية والإمارات وفرنسا والبرتغال وألمانيا والصين وغيرها , وبعض هذه الشركات ملك لرجال أعمال من جنسيات مختلفة ، وأخري ملك لجماعات مسلحة منها قوات “فاجنر” الروسية و”البلاك ووتر” الأمريكية وغيرها من الجماعات االمسلحة التي تضم مرتزقة. استطاعت هذه الجهات تهريب ذهب دارفور عبر ممرات من دول الجوار منها تشاد من خلال مطار” أم جرس” أو الممر الجنوبي المصري عبر الرحل من القبائل المنتشرة على الحدود أو الممر الأوسطي إلي البحر الأحمر .

– تعمدت قوات الدعم السريع إشعال حرائق التهمت المحاصيل الزراعية كما اعتدي الجنجويد بالقتل والاغتصاب والسلب دون رقيب أو حسيب. أدى ذلك إلى هجرة حوالي 1.2 مليون نسمه من دار فور و9 مليون من مناطق السودان المختلفة أجبروا على النزوح أو ما يعرف بالتهجير القسري.

– أن تصعيد الصراع كان لمصلحة بعض الدول المصدرة لسلاح منها أمريكا وأسرائيل وروسيا والصين حتي يكون السلاح مقابل الذهب .

– تكالب العديد من الدول منها اسرائيل والإمارات والكيانات المسلحة على حساب دم الأبرياء من اجل الاستحواذ علي الذهب ،وتجميد حلم السودان في مشروعها التنموي والذي سوف يصعد بها إلي دولة غنية تملك ثروات نفطيه أكثر من الخليج ومن العديد من دول أفريقيا وأروبا.

– أسفر الصراع عن تشريد أكثر من 14 مليون شخص من مناطق مختلفة من السودان .

– توضح بيانات البنك المركزي السوداني أن الإمارات استوردت حوالي 90% من صادرات السودان الرسمية من الذهب عام 2025.

– وقد ربط تحقيق حديث أجرته منظمة “ذا سنتري” (The Sentry) مقرها دبي بغسل الذهب السوداني لصالح مموّلي قوات الدعم السريع. كما أوضحت المنظمة أن الإمارات استوردت 29 طنًا من الذهب من السودان في عام 2024، بزيادة 17 طنًا عن العام السابق ، بالإضافة إلى كميات كبيرة تم توجيهها عبر مصر (27 طنًا)، وتشاد (18)، وليبيا (9). وخلص معهد الأبحاث “تشاتام هاوس” (Chatham House) ومقرها لندن، في تقرير صدر في مارس 2025، إلى أن «تجارة الذهب هي السبب الأول في نزاع السودان». 

– فبين يناير وسبتمبر 2025، استوردت سويسرا 316 طنًا من الذهب بقيمة 27 مليار فرنك سويسري من الإمارات العربية المتحدة.

– وقعت حكومة السودان اتفاقية مع قطر لإنشاء مصفاة ذهب جديدة في الدولة الخليجية، في خطوة من شأنها تقليل اعتماد السودان على الإمارات العربية المتحدة في تنقية الذهب ومعالجته من الشوائب. 

– كما اتضح أن شركتا “أليانس فور مايننغ” (Alliance for Mining) و”كوش فور إكسبلوراشن آند برودكشن” (Kush for Exploration and Production) صدرتا ما يزيد عن طن من الذهب العام الماضي. والشركتان تابعتان لـ”إميرال ريسورسز”(Emiral Resources) وهي شركة إماراتية أسسها دبلوماسي روسي سابق ومدير تنفيذي سابق في “غازبروم”.

– تُعد دبي مركزاً رئيسياً وعالمياً لتجارة وتكرير الذهب،حيث يفضل قادة الدعم السريع تصدير الذهب إلى الإمارات لأن الدول الغربية تفرض قيوداً على تصديره بسبب الحرب الأهلية ومخاوف غسيل الأموال وتمويل الإرهاب.

– حققت السودان 5 مليارات دولار خلال 2024 منها 1.5 مليار دولار مبيعات لدولة الإمارات.

– أنتجت السودان حوالي 64.4 طنًا في عام 2024، ويقدر احتياطي الذهب المؤكد بـ 533 طنًا واحتياطيًا محتملاً يتجاوز 1100 طن ويُمثّل الذهب اليوم أكثر من 80 % من صادرات السودان وهو مصدرها الأساسي للعملة الصعبة . 

– تعمل اسرائيل علي تأجيج الصراع ليس فقط لتجارة السلاح لعصابات أفريقيا والدعم السريع لكن أيضاً لمحاربة مشروع السودان التنموي والتي لو قدر لسودان الأستقرار والتنمية كانت تستطيع أن تكفي قارة أفريقيا من المحاصيل الزراعية لوفرة الطاقة والماء . لكن لدي إسرائيل سياساتها واستراتيجاتها وأهدافهاالمتعددة علي رأسها :

    تشتيت الجبهة المصرية , والضغط على مصر فى ملف التفاوض على مياه النيل مع إثيوبيا وقد نما إلى درجة الخبر المؤكد نبأ تسلل جماعات مسلحة من إثيوبيا للقتال لجانب الدعم السريع . توافد ملايين الفارين من نيران الحرب على دول الجوار ومنها بطبيعة الحال مصر, والتي توافد عليها أهالي السودان بمايقرب عن 9مليون مواطن سوداني بمختلف أطيافهم السياسية والدينية والقبلية والعرقية وهنا السؤال اذا كانت مصر جمعت هذا التعدد الثقافي من أهالي السودان في سلم فلماذا لم تجمعهم السودان وهي أرض الوطن .

  يفسرلنا الواقع حقيقة الأحداث الدامية على أرض السودان وأن تأجيج الصراع كان من أجل استنزاف موارد السودان سواء البشرية أوالطبيعية والدخول بها فى نفق مظلم عبر الزج بها في حروب قبلية وعرقية ظاهرها نزاع على السلطة وباطنها الحرب علي الثروات. شرد من إقليم دارفور نحو 16 مليون مواطن, ودفعهم واضطرهم الصراع إلي النزوح أحيانا إلى الخلاء على امتداد ولايات دارفور, و ذلك على خلفية مقتل أكثر من ٣٠٠ ألف شخص.

استخدم تعبير “الأفارقة” و”العرب” لوصف الصراع في دارفور على أنه صراع قبلي عرقي, وهذا لا يعكس التنوع العرقي في دارفور لأن أكثر من 40% من النزاعات فى المرات السابقة كانت بين القبائل العربية وبعضها وأكثر من 60 % من الصراع بين الأفارقة وبعضهم .

وإذا كان الصراع قد بدأ داخلياً فى غياب وتراجع دور الحكومات السابقة السودانية, فضلا عن لجوء تلك الحكومات إلى أساليب قمعية ودموية أججت الصراع وعظمت من الولاءات العرقية والقبلية دون أدنى إدراك إلي المخاطر الناجمة على السودان من مثل هذه الأساليب, أدى ذلك إلى امتداد أياد خارجية كل له دوافعه وأهدافه واستراتيجياته إلى عمق السودان .

 لعلنا ندرك أن أحد أهم مفاتيح الحل فى حل أزمة دار فور هي الجبهة الداخلية السودانية ؛ والدبلوماسة المصرية السعودية؛ وحسن إدارة المواقف السياسية وتحويلها إلي آليات اقتصادية مع مراعاة حق المواطن السوداني فى الثروة والسلطة والتنمية و التشديد علي إحكام ممرات العبور أمام تهريب الذهب والمرتزقة المسلحة من خلال لجان دولية وأتفاق شامل يجمع الاطراف المتنازعه، وإنشاء قاعدة عسكرية مصرية على جبهة البحرالأحمر؛ ووزارة تنمية موحده بين مصر والسودان بفواعل سودانيه مصرية .

تم نسخ الرابط بنجاح!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى